إذا كنت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، فربما صادفت صورة غريبة ومخيفة لطبيب يرتدي قناعًا أسود طويلًا يشبه منقار الطائر، وهي الصورة المعروفة باسم "طبيب الطاعون"، والتي عادت للظهور بقوة بالتزامن مع الجدل حول واقعة الطاعون المشتبه بها في روسيا.
وسلطت صحيفة Hindustan Times الضوء على عودة شخصية طبيب الطاعون إلى منصات التواصل الاجتماعي، باعتبارها واحدة من أكثر الصور ارتباطًا في الذاكرة الشعبية بالأوبئة والموت، لكن وراء هذا القناع قصة تاريخية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه الصورة.
هل كان طبيب الطاعون موجودًا بالفعل؟
نعم، كان هناك بالفعل أطباء عالجوا مرضى الطاعون في أوروبا، لكن الصورة الشهيرة للطبيب ذي القناع ذي المنقار لا تمثل بالضرورة الشكل الذي كان يرتديه جميع أطباء الطاعون.
وتشير دراسة منشورة في European Journal for the History of Medicine and Health إلى أن القناع ذي المنقار لم يظهر في المصادر التاريخية قبل منتصف القرن السابع عشر، وارتبطت أقدم الإشارات المعروفة به بإيطاليا وجنوب فرنسا.
كما توضح National Geographic أن الزي المعروف لطبيب الطاعون يُنسب عادة إلى الطبيب الفرنسي شارل دو لورم Charles de Lorme، الذي وضع تصورًا لزي وقائي خلال القرن السابع عشر، شمل معطفًا طويلًا وقفازات وحذاء وقناعًا ذا أنف طويل يشبه المنقار.
لماذا كان القناع يشبه منقار الطائر؟
السبب يعود إلى نظرية طبية كانت سائدة في ذلك الوقت، قبل اكتشاف الجراثيم وفهم طرق انتقال العدوى.
كان الأطباء يعتقدون أن الأمراض، ومنها الطاعون، تنتقل من خلال "الهواء الفاسد" أو الملوث، وهي النظرية المعروفة باسم Miasma Theory.
ولذلك كان القناع يحتوي على مواد عطرية وأعشاب ذات روائح قوية، اعتقادًا بأن هذه الروائح يمكن أن تنقي الهواء قبل وصوله إلى أنف الطبيب ورئتيه.
وتذكر National Geographic أن الأطباء كانوا يضعون في الجزء الأمامي من القناع خليطًا من الأعشاب والمواد العطرية، لأنهم كانوا يعتقدون أن الرائحة الكريهة المرتبطة بالمرض هي نفسها مصدر العدوى. لكن هذا الاعتقاد كان خاطئًا وفق المعرفة الطبية الحديثة.
القناع لم يكن يحمي من الطاعون كما نعتقد
رغم أن القناع يبدو اليوم وكأنه جهاز حماية متطور، فإنه لم يكن مصممًا بناءً على فهم حقيقي للميكروبات.
فالطاعون تسببه بكتيريا Yersinia pestis، ويمكن أن تنتقل إلى الإنسان بطرق مختلفة، أبرزها لدغات البراغيث المصابة، كما يمكن أن تنتقل العدوى من خلال التعامل مع أنسجة أو سوائل حيوانات مصابة، بينما يمكن للطاعون الرئوي أن ينتقل عبر الرذاذ التنفسي من شخص مصاب.
وبالتالي، فإن الاعتقاد بأن وضع الأعشاب داخل قناع طويل يمكن أن يمنع الإصابة بالطاعون لم يكن قائمًا على الآلية الحقيقية للمرض.
لماذا ارتبط القناع بالموت والرعب حتى اليوم؟
تحولت شخصية طبيب الطاعون مع مرور الوقت إلى رمز ثقافي للخوف من الأوبئة والموت.
وتوضح National Geographic أن الشكل الغريب للطبيب ذي المنقار أصبح جزءًا من الثقافة الشعبية، وظهر في المسرح والاحتفالات والأزياء التنكرية، خاصة في إيطاليا، قبل أن يتحول إلى رمز عالمي للأوبئة.
كما تشير دراسة تاريخية إلى أن انتشار الصورة الشهيرة لم يكن نتيجة الاستخدام الطبي وحده، وإنما ساهمت الرسومات والمطبوعات والأعمال المسرحية لاحقًا في ترسيخ شكل الطبيب ذي المنقار في الذاكرة الجماعية.
وما علاقة "طبيب الطاعون" بما يحدث الآن؟
عودة هذه الصورة إلى مواقع التواصل في الوقت الحالي ليست بسبب ظهور زي طبي جديد، وإنما بسبب الاهتمام العالمي بالطاعون بعد واقعة الباحثة الروسية التي توفيت عقب إصابتها بالتهاب رئوي شديد، وسط تقارير عن احتمال ارتباط الحالة بالطاعون الرئوي.
لكن حتى الآن، يجب التفريق بين التاريخ والصورة المنتشرة على السوشيال ميديا وبين الحقائق الطبية الحديثة؛ فظهور صورة "طبيب الطاعون" لا يعني أن العالم أمام عودة للطاعون كما كان في العصور الوسطى.
وفي الوقت نفسه، يظل الطاعون مرضًا موجودًا حتى العصر الحديث، لكنه أصبح قابلًا للعلاج بالمضادات الحيوية عند اكتشافه وعلاجه مبكرًا، كما أن طرق انتقاله معروفة بشكل أفضل بكثير مما كانت عليه في القرون الماضية.
من القناع المرعب إلى الطب الحديث
ربما تكون أكثر المفارقات إثارة في قصة طبيب الطاعون أن الزي الذي يبدو اليوم كأنه رمز للحماية الطبية كان مبنيًا على فهم خاطئ لطريقة انتقال المرض.
ففي القرن السابع عشر لم يكن العلماء يعرفون البكتيريا أو دور البراغيث في نقل الطاعون، ولم تكن نظرية الجراثيم قد ظهرت بعد. أما اليوم، فأصبح الأطباء يعرفون المسبب، وطرق الانتقال، ووسائل التشخيص والعلاج، وهو ما جعل التعامل مع الطاعون مختلفًا جذريًا عن الماضي.
ولهذا فإن صورة الطبيب ذي المنقار التي تظهر على السوشيال ميديا هي في النهاية رمز تاريخي لزمن كان فيه الطب يحاول مواجهة وباء قاتل بإمكانات محدودة ومعرفة ناقصة، وليس نموذجًا لوسائل الوقاية الطبية الحديثة.
- مطالب برلمانية بسن تشريع لمواجهة التصوير والنشر على السوشيال ميديا بدون إذن
- ممثل تلفزيون الكويت يقدم تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير الصورة وبناء شخصيات وبيئات افتراضية بالأعمال التاريخية والتراثية وبرامج الأطفال
- بسبب صورة مؤثرة، ماجد المصري ونجله أحمد يتصدران التريند
- "دبلوم وجوازة قديمة وعيال في الشرقية".. أسرار صادمة اكتشفتها أحلام بعد زواج الصالونات
- الأطباء تبدأ تسجيل الحضور في الجمعية العمومية العادية للنقابة






