شكّلت منحة نفطية ضخمة قدمتها السعودية إلى سوريا إحدى أبرز خطوات التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة منذ نهاية 2025، قبل أن يتوسع هذا التعاون خلال 2026 ليشمل تمويل محطات كهرباء ومشروعات طاقة متجددة وأيضًا تطوير حقول النفط والغاز.
وبحسب مسح أجرته منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، شهدت الأشهر الماضية توقيع اتفاقات بين سوريا وشركات سعودية، إلى جانب تمويل تنموي من المملكة يستهدف تحسين إمدادات الكهرباء، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة.
وجاء أحدث التحركات مع إعلان الصندوق السعودي للتنمية، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، توقيع اتفاقات قروض ميسّرة مع وزارة المالية السورية، تتضمن تمويلًا لإعادة تأهيل وحدات توليد الكهرباء في محطة حلب الحرارية.
ولا تقتصر أوجه التعاون على التمويل الحكومي، بل تمتد إلى مشروعات للطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء، واتفاقات لخدمات حقول النفط والغاز، فضلًا عن مبادرات لتنظيم توزيع المشتقات النفطية.
دعم الكهرباء في سوريا
وقّع الصندوق السعودي للتنمية مع وزارة المالية السورية 6 اتفاقات قروض تنموية ميسّرة، بإجمالي يتجاوز 403 ملايين دولار، تشمل قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والبنية التحتية والتحول الرقمي، وفق بيان الصندوق الصادر في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وتتضمن الاتفاقات قرضًا بقيمة 90 مليون دولار لإعادة تأهيل وحدات التوليد في محطة حلب الحرارية، بهدف استعادة جزء من قدرتها على إنتاج الكهرباء وتحسين استقرار الإمدادات للسكان والأنشطة الاقتصادية.

ويستهدف المشروع إفادة نحو 5 ملايين نسمة، من خلال دعم استقرار منظومة الكهرباء وتوفير إمدادات أكثر انتظامًا للمرافق العامة والمنشآت الصناعية.
ومحطة حلب الحرارية من أكبر محطات توليد الكهرباء في سوريا، بقدرة تصميمية تبلغ 1065 ميغاواط، موزعة على 5 مجموعات توليد بخارية، تبلغ قدرة كل منها 213 ميغاواط.
وتعرضت المحطة لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى خروج 3 مجموعات توليد من الخدمة، في حين استمر تشغيل المجموعتين الأولى والخامسة بقدرة أقل من طاقتهما التصميمية، إذ بلغ متوسط الاستطاعة التشغيلية بين 250 و300 ميغاواط، وفق بيانات إدارة المحطة في يوليو/تموز 2026.
دعم سعودي للطاقة المتجددة في سوريا
بالتزامن مع دعم الكهرباء التقليدية، توسع التعاون بين السعودية وسوريا في الطاقة المتجددة، بعدما شهد أغسطس/آب 2026 توقيع 3 اتفاقات مع "شركة الحرفي السعودية للمقاولات" لتنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء في سوريا.
وتشمل الاتفاقات محطات شمسية بقدرة إجمالية تبلغ 760 ميغاواط، إلى جانب أنظمة بطاريات لتخزين الكهرباء بسعة 1077 ميغاواط/ساعة.
وتكتسب مشروعات التخزين أهمية خاصة في دعم الاستفادة من الكهرباء الشمسية خلال ساعات انخفاض الإشعاع، بما يساعد على تقليل تقلبات الإنتاج وتحسين إدارة الإمدادات عند تشغيل المشروعات.
وفي قطاع الصناعات الكهربائية، شهد فبراير/شباط 2026 توقيع اتفاقية مع "مجموعة كابلات الرياض" (Riyadh Cables Group) لتشغيل مصانع شركة الكابلات السورية الحديثة وتطويرها، ويستهدف هذا التعاون دعم الصناعة المرتبطة بشبكات الكهرباء ومستلزمات البنية التحتية.

التعاون النفطي السعودي السوري
امتد التعاون السعودي مع سوريا خلال 2026 إلى قطاع النفط والغاز، عبر اتفاقات تستهدف تطوير الحقول وتعزيز الخدمات الفنية، إلى جانب مشروعات مرتبطة بإدارة المشتقات النفطية.
وتبرز في هذا الملف 4 شركات سعودية، هي أديس (ADES)، وطاقة (TAQA)، والحفر العربية (Arabian Drilling)، وأرغاز (ARGAS)، ضمن ترتيبات للتعاون مع الشركة السورية للبترول.
وشهد يوليو/تموز 2026 انتقال التعاون مع شركة أديس السعودية إلى مرحلة التنفيذ، بعدما وقّعت الشركة السورية للبترول عقدًا تنفيذيًا معها في أبريل/نيسان، لتطوير عدد من حقول الغاز وتشغيلها في المنطقة الوسطى بمحافظة حمص.
وبدأت الشركة أعمالها الميدانية عقب تسلّم مواقع العمل، ضمن مشروع يشمل صيانة الآبار وإعادة تأهيلها وتطوير البنية التشغيلية للحقول، إلى جانب توظيف تقنيات حديثة لتحسين كفاءة الإنتاج.
ويستهدف المشروع زيادة إنتاج الحقول المشمولة بالعقد بنسبة 25% خلال الأشهر الـ6 الأولى، ترتفع إلى 50% بنهاية العام الأول، ليصل الإنتاج إلى نحو 4 ملايين متر مكعب يوميًا، بما يدعم إمدادات الغاز اللازمة لتوليد الكهرباء.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، شهد قطاع المشتقات النفطية السوري خطوة أخرى عبر اتفاقية مع شركة كاشن السعودية (Cashin)، تتعلق بتطوير منصة رقمية وطنية لإدارة المشتقات النفطية، ويستهدف المشروع تحسين متابعة حركة المشتقات وإدارة عملياتها ورفع كفاءة الإجراءات المرتبطة بها.
صفقة أرامكو مع سوريا
في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بدأت شركة أرامكو للتجارة -الذراع التجارية لشركة أرامكو السعودية- توريد المشتقات النفطية إلى سوريا، مع وصول أول شحنة ديزل تبلغ 63 ألف طن، بما يعادل نحو 450 ألف برميل، على متن الناقلة "ستارلنغ" (Starling) التي ترفع علم سنغافورة.
وكشف مدير إدارة التجارة والتسويق في الشركة السورية للبترول جلال جراد، في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة، عن أن المفاوضات مع الشركة السعودية بدأت قبل وصول الشحنة بنحو شهر، مشيرًا إلى توقعات بتوريد 5 شحنات وقود شهريًا، تشمل 3 شحنات ديزل وشحنتين من البنزين.
وأوضح أن الكميات المتوقعة تتراوح بين 1.5 مليون ومليوني برميل شهريًا، مع ارتباط القيمة المالية للعقد بأسعار النفط والمشتقات عالميًا، لافتًا إلى استمرار المفاوضات مع أرامكو لاستيراد النفط الخام الخفيف لتلبية احتياجات مصفاة بانياس.
وجاءت الشحنة بعد نجاح الشركة السورية للبترول في تأمين أول اعتماد مستندي عبر مصرف سوريا المركزي لتوريد المشتقات النفطية، في خطوة تستهدف تنويع مصادر الإمدادات وتطوير آليات تمويل مشتريات الوقود.
منحة نفطية إلى سوريا
سبقت اتفاقات العام الجاري منحة نفطية أعلنتها السعودية في سبتمبر/أيلول 2025، بهدف دعم احتياجات سوريا من النفط الخام والمساعدة في تحسين إمدادات الطاقة.
ووقّع الصندوق السعودي للتنمية في 11 سبتمبر/أيلول 2025 اتفاقية لتقديم 1.65 مليون برميل من النفط الخام إلى سوريا، ضمن الدعم السعودي الموجه إلى البلاد.
واكتمل تسليم المنحة النفطية السعودية إلى سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على دفعتين، وصلت الأولى إلى ميناء بانياس في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، بكمية بلغت 650 ألف برميل من النفط الخام، قبل وصول الدفعة الثانية والأخيرة في الـ23 من الشهر نفسه بكمية مليون برميل، ليصل إجمالي ما تسلّمته سوريا إلى 1.65 مليون برميل.
وجاءت المنحة في وقت كانت فيه سوريا تواجه تحديات في توفير الوقود اللازم لتشغيل المصافي وتلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية.






