- الأنبوب أحد أهم المشروعات السيادية التي ترتبط بأمن بغداد الاقتصادي
- لم يتضح للرأي العام بصورة كافية حتى الآن ما إذا كان مشروع البصرة–حديثة الذي سبق إعلانه هو نفسه المشروع الجديد
- التحذير من إحالته للاستثمار لا يعني الدعوة إلى تأجيله، على العكس تمامًا
- العراق بحاجة إلى الأنبوب، وبحاجة إلى الشركات العالمية المتخصصة لبنائه وفق أعلى المواصفات
لا يعدّ مشروع أنبوب الصادرات النفطية العراقية من البصرة إلى حديثة وما يرتبط به من منافذ باتجاه جيهان وبانياس والعقبة مشروعًا عاديًا يمكن التعامل معه بمنطق الاستثمار التقليدي، بل هو أحد أهم المشروعات السيادية التي ترتبط بأمن بغداد الاقتصادي وحرية قراره في تصدير ثروته النفطية.
ومن هنا نُحذّر من أن تدفع الأزمة المالية الحالية إلى إحالة هذا الأنبوب للاستثمار طويل الأجل، فالأزمة قد تمرّ، والعجز قد يتراجع، وأسعار النفط قد تتغير، لكن عقدًا يمتد لعشرين أو ثلاثين عامًا قد يترك التزامات وآثارًا يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
إن بغداد بحاجة إلى أنبوب الصادرات النفطية العراقية، وبحاجة إلى الإسراع في إنجازه، لكن الإسراع في التنفيذ لا يعني التسرع في القرار، فالمشروع -بحكم طبيعته السيادية- ينبغي أن يموَّل من الدولة ولو على مراحل، مع الاستعانة بشركات عالمية متخصصة في الدراسة والإشراف والتنفيذ، وبقاء الأصل وملكيته وقراره بيد العراق.
فالخطر ليس في كلفة بناء أنبوب الصادرات النفطية العراقية اليوم، بل في أن ندفع تحت ضغط أزمة مؤقتة ثمنًا سياديًا واقتصاديًا يمتد لعقود؛ لأن أخطاء الحاضر قد يدفع العراق ثمنها في المستقبل .
ضرورة إستراتيجية
لم يعد إنشاء منظومة متكاملة ومتعددة لمنافذ تصدير النفط العراقي خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة إستراتيجية ترتبط بالأمن الاقتصادي والسيادي للبلاد.
فالتطورات والأزمات التي شهدتها المنطقة أثبتت حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على الاعتماد الكبير على منفذ تصديري رئيس واحد، وأكدت حاجة العراق إلى طرق بديلة تضمن استمرار تدفّق صادراته النفطية إلى الأسواق العالمية في مختلف الظروف.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع أنبوب الصادرات النفطية العراقية "البصرة-حديثة"، وما يمكن أن يرتبط به لاحقًا من امتدادات باتجاه جيهان وبانياس والعقبة، ليشكّل منظومة تصديرية تمنح العراق مرونة أكبر في إدارة وتسويق نفطه.
لكن أهمية المشروع وضرورة الإسراع في إنجازه لا تعني أن القرارات المتعلقة بتمويله وتنفيذه يجب أن تُتَّخذ تحت ضغط الظروف الحالية من دون حساب آثارها المستقبلية.

بداية المشروع
سبق للحكومة أن أعلنت مشروع أنبوب الصادرات النفطية العراقية "البصرة-حديثة"، وخصصت له تمويلًا ضمن خططها، بوصفه مشروعًا إستراتيجيًا لنقل النفط من الجنوب باتجاه وسط وغرب العراق، ومقدمة لفتح منافذ تصديرية جديدة.
كما خُصِّص جزء من تمويله من خلال الاتفاق العراقي–الصيني، مع وجود توجُّه لاستكمال التمويل على مراحل بحسب تقدُّم العمل ومتطلبات المشروع.
وكان واضحًا في تلك المرحلة أننا أمام مشروع تتولى الدولة تمويله وإنجازه ضمن خططها الاستثمارية.
تطور جديد
لاحقًا، أعلنت وزارة النفط عن تفاهمات مع ائتلاف يضم شركات أميركية وقطرية لإعداد الدراسات الفنية والتصاميم الخاصة بمنظومة أوسع للأنابيب، تشمل مسارات تمتد من البصرة إلى حديثة، ومنها باتجاه الشمال وبانياس.
كما أعلن وزير النفط أن كلفة المنظومة الجديدة قد تصل إلى نحو 15 مليار دولار، وهي كلفة تعكس اتّساع مشروع أنبوب الصادرات النفطية العراقية ليشمل أكثر من مسار ومحطات ومنشآت مرتبطة به.
وهنا تظهر نقطة تحتاج إلى توضيح من الوزارة، فلم يتضح للرأي العام بصورة كافية حتى الآن ما إذا كان مشروع البصرة-حديثة الذي سبق إعلانه وتخصيص الأموال له هو نفسه الجزء الأساس من المشروع الجديد الذي تعمل عليه الشركات الأميركية والقطرية، أم أن الحديث يدور عن مشروع آخر أو عن تطوير وتوسعة للمشروع السابق.
كما لم يتضح مصير التخصيصات والإجراءات والعقود التي سبق إعلانها، وما إذا كان التمويل الحكومي سيستمر أم أن المشروع سيتجه إلى صيغة استثمارية جديدة.
وهذا التساؤل لا يمثّل محور القضية، لكنه يحتاج إلى توضيح رسمي، لأننا نتحدث عن مشروع تبلغ كلفته مليارات الدولارات ويرتبط بمستقبل منظومة تصدير النفط العراقي.

الأزمة والقرار
يمرّ العراق بظروف مالية صعبة، وهو ما يجعل البحث عن مصادر تمويل للمشروعات الكبيرة أمرًا طبيعيًا ومفهومًا.
لكن الأزمة المالية لا ينبغي أن تعني الاندفاع، فالأزمة ظرف يمكن أن يتغير خلال سنوات، ولكن القرارات المتعلقة بمشروع بهذا الحجم قد تستمر آثارها لعقود.
ومن هنا ينبغي الحذر من أن تتحول الضائقة المالية الحالية إلى سبب لإحالة أنبوب الصادرات النفطية العراقية للاستثمار طويل الأجل، بدلًا من البحث أولًا عن وسائل تمويل تبقي المشروع تحت ملكية الدولة وسيطرتها الكاملة.
فالأنبوب ليس مشروعًا تجاريًا عاديًا، بل أصل إستراتيجي يرتبط مباشرة بقدرة العراق على تصدير مورده الاقتصادي الأهم.
التمويل الحكومي
ومن وجهة نظرنا، فإن مشروعًا بهذه الطبيعة والأهمية ينبغي أن يموّل من الموازنة العامة للدولة، حتى وإن تطلب ذلك تنفيذه على مراحل تمتد لعدّة سنوات.
كما يمكن توسيع الاستفادة من الاتفاق العراقي–الصيني، والبحث عن قروض سيادية أو تنموية طويلة الأجل عند الحاجة إلى استكمال التمويل.
فالاقتراض من أجل إنشاء أصل إستراتيجي منتج يختلف عن الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري.
القرض له مدة وفائدة وجدول سداد، وينتهي الالتزام بعد تسديده، لكن يبقى الأنبوب للدولة ويواصل العمل لعقود.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى المشروع من زاوية عمره الاقتصادي الطويل، لا من زاوية الأزمة المالية الحالية فقط.
مخاطر الاستثمار الطويل
إن إحالة أنبوب الصادرات النفطية العراقية إلى الاستثمار طويل الأجل قد تبدو في الظاهر حلًا سريعًا لتوفير مليارات الدولارات التي يحتاجها المشروع، لكنها تنقل القضية من تمويل مشروع إلى ارتباط تعاقدي قد يمتد بنحو 20 أو 30 عامًا أو أكثر، فالمستثمر سيستردّ الأموال التي أنفقها، إضافة إلى كلفة التمويل والعائد الذي يسعى إلى تحقيقه.
وهذا يعني أن العراق قد يرتبط طوال مدة الاستثمار بالتزامات مالية أو تشغيلية مرتبطة بأحد أهم شرايين تصدير نفطه.
ومن هنا يأتي التحذير، ليس اعتراضًا على الاستثمار بحدّ ذاته، بل لأن طبيعة هذا المشروع مختلفة.
فالخط الذي ينقل ملايين البراميل ويحدد قدرة الدولة على الوصول إلى منافذ متعددة يجب أن يبقى -في تقديرنا- ضمن الأصول السيادية التي تموّلها الدولة وتحتفظ بملكيتها وقرارها التشغيلي الكامل.

الدراسة أولًا
إن ضخامة المشروع وكلفته تتطلبان إعداد دراسة فنية واقتصادية ومالية وهندسية متكاملة قبل المضي في مراحل التنفيذ الكبرى.
ومن المناسب تكليف شركة استشارية عالمية متخصصة ومعروفة بإعداد هذه الدراسة، وتحديد المسارات والطاقة التصميمية والكلف الواقعية ومتطلبات التشغيل والصيانة.
ولا ينبغي أن ينتهي دور الجهة الاستشارية عند إعداد الدراسة، بل يمكن أن تتولى الإشراف الفني والهندسي على مراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل التجريبي، بما يوفر رقابة مستقلة على المواصفات والكلف والجداول الزمنية.
شركات متخصصة
أمّا أعمال البناء والإنشاء والتنفيذ، فإن مشروعًا بهذا الحجم يستحق الاستعانة فيه بشركات عالمية متخصصة ومعروفة بخبرتها في إنشاء خطوط الأنابيب النفطية العملاقة والمنشآت المرتبطة بها.
فالهدف هو ضمان تنفيذ المشروع بأفضل المواصفات وفي المدة المقررة، وتقليل مخاطر التلكؤ والتأخير وتضخّم الكلف والأخطاء الفنية.
ولا ينبغي أن تتحول بعض العناوين، ومنها «دعم الجهد الوطني»، إلى سبب يحول دون الاستفادة من خبرات الشركات العالمية المتخصصة في مشروع بهذا الحجم والحساسية.
فالخبرة الدولية يمكن الاستفادة منها في الدراسة والإشراف والتنفيذ، في حين تبقى ملكية المشروع وقراره للدولة العراقية.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الاستعانة بالشركات العالمية وبين إحالة الأصل نفسه للاستثمار.
يمكن للعراق أن يتعاقد مع شركة عالمية لإعداد الدراسة، ويمكن أن تستعين الدولة بشركة استشارية دولية للإشراف، ويمكن أن تنفّذ الأنبوب شركة عالمية متخصصة بعقد محدد الكلفة والمدة والمواصفات.
لكن ذلك كلّه لا يعني بالضرورة منح الأنبوب نفسه للاستثمار طويل الأجل.
فالخبرة يمكن شراؤها، والخدمات الهندسية يمكن التعاقد عليها، والتمويل يمكن ترتيبه، لكن يبقى الأصل ملكًا للدولة.
قرار سيادي
إن السيادة على النفط لا تعني فقط ملكية الخام في باطن الأرض.. إنها أيضًا امتلاك القدرة على نقله وتحديد مساراته وكمياته ووجهاته.
والدولة التي تمتلك شبكة أنابيبها الإستراتيجية تمتلك حرية أكبر في إدارة صادراتها وتغيير وجهاتها وربطها بمصافٍ أو خزانات أو خطوط جديدة بحسب الظروف المستقبلية.
ولهذا فإن أنبوب البصرة-حديثة وما يتفرع عنه يجب أن يُنظَر إليه بوصفه جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي للعراق، وليس مجرد مشروع يحتاج إلى ممول.
إن التحذير من إحالته للاستثمار لا يعني الدعوة إلى تأجيله، على العكس تمامًا.. العراق بحاجة إلى الإسراع في بناء هذه المنظومة أكثر من أيّ وقت مضى.
لكن الإسراع يجب أن يكون في الدراسة والتمويل والتنفيذ، لا في اتخاذ قرار تعاقدي طويل الأمد قد يصعب تغييره مستقبلًا.
وإذا كانت الموازنة لا تستطيع تحمُّل كامل الكلفة في سنة واحدة، فيمكن توزيع التمويل على مراحل، وتوسيع الاتفاق العراقي–الصيني، والاستفادة من الاقتراض المخصص للمشروع.
فالهدف هو أن ينجز العراق الأنبوب بأسرع وقت ممكن، مع بقاء ملكيته وسيطرته وقراره بيد الدولة.

حسابات المستقبل
إن المشروعات الإستراتيجية الكبرى لا ينبغي أن تحكمها ظروف سنة أو سنتين، فالأزمة المالية تمرّ.
والعجز يمكن أن يتراجع، وأسعار النفط تتغير، والقروض تُسدد، أمّا القرارات والعقود طويلة الأجل فقد تبقى آثارها لعشرات السنين.
ومن هنا فإن دعوات الإسراع في إنشاء الأنبوب يجب أن تقترن بدعوة أكثر أهمية: ألّا ندع ضغوط الحاضر تحدّد وحدها شكل ملكية وتمويل أصل سيادي سيخدم العراق لعقود مقبلة.
العراق بحاجة إلى الأنبوب، وبحاجة إلى الشركات العالمية المتخصصة لبنائه وفق أعلى المواصفات، وبحاجة إلى إشراف دولي رصين يمنع التلكؤ والتأخير ويراقب الكلفة والتنفيذ.
لكن الأنبوب نفسه ينبغي أن يبقى مشروعًا للدولة، يموَّل من مواردها وموازنتها وما يتاح لها من قروض وتمويلات سيادية.
فأخطاء الحاضر -إذا اتُّخِذت تحت ضغط الأزمة ومن دون حسابات دقيقة للمستقبل- قد يدفع العراق ثمنها لسنوات طويلة.
*عاصم جهاد، المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، كاتب صحفي مختص في شؤون النفط والطاقة.
مقالات سابقة للكاتب:
- بين هيثم الغيص و"بيرول".. قميص أوبك بريء من أزمة إمدادات النفط (مقال)
- أزمة البنزين في العراق تتفاقم.. أين الإمدادات؟
- قيظ العراق.. صيف ملتهب وكهرباء بلا وقود (مقال)






