- • الشراكة المتنامية بين باكو وأستانا تشمل مجالات النقل والطاقة والتجارة والدبلوماسية
- • نحو 95% من حركة مرور الإنترنت في قازاخستان تمرّ عبر الشبكات الروسية
- • كابل الألياف الضوئية بين قازاخستان وأذربيجان يُعدّ جزءًا من مبادرة "طريق الحرير الرقمي"
- • المستثمرون يبحثون عن إمدادات كهرباء موثوقة وأطر تنظيمية واضحة ومستقرة وتكاليف تشغيل تنافسية
تتعزز مراكز البيانات في قازاخستان وأذربيجان بإطلاق خط اتصالات بتقنية الألياف الضوئية، وهذا بدوره يوطّد الشراكة المتنامية بين باكو وأستانا، التي تشمل مجالات النقل والطاقة والتجارة والدبلوماسية.
في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شارك الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف والرئيس القازاخستاني قاسم جومارت توكاييف في مراسم إطلاق خط اتصالات جديد بتقنية الألياف ضوئية يمتدّ تحت مياه بحر قزوين.
ويربط هذا الخط، الذي يبلغ طوله 380 كيلومترًا، بين مدينتي سومغايت وأكتاو، ويُعدّ جزءًا من مبادرة "طريق الحرير الرقمي"، ويُرتقَب أن يعزز مراكز البيانات في البلدين.
وتصل السعة التصميمية المعلنة لهذا الخط إلى أكثر من 400 تيرا بايت/ثانية، وهي تُمثّل السعة القصوى المحتملة للنظام، ولا تعكس حجم البيانات التي تُنقل عبره فعليًا في الوقت الراهن.
القيمة التجارية للخط
ستعتمد القيمة التجارية للخطّ على مدى سرعة شركات الاتصالات في البدء باستعماله، وعلى كفاءة ربطه بالشبكات الممتدة نحو الغرب.
ويُضفي هذا المشروع بُعدًا رقميًا على "الممر الأوسط"؛ إذ يوفر الكابل الجديد رابطًا مباشرًا لنقل البيانات بين قازاخستان وأذربيجان.
رغم ذلك، لا يمكن لهذا الكابل بمفرده إنشاء شبكة متكاملة وسلسة تربط بين آسيا وأوروبا؛ فمثل هذا الأمر يتطلب وجود روابط موثوقة على كلا جانبي بحر قزوين، بالإضافة إلى إتاحة الوصول إلى كابلات بحرية أخرى ومراكز بيانات، وتوفير خطوط ربط مع مراكز تبادل الإنترنت الدولية.

أهمية المسار البديل
تُعدّ قازاخستان وجاراتها في آسيا الوسطى دولًا حبيسة (لا تطل على بحار مفتوحة)، لذا تعتمد اتصالاتها الدولية بالإنترنت على مسارات كابلات الألياف الضوئية التي تمرّ عبر دول أخرى.
ويشير تقييم "جمعية الإنترنت" (Internet Society) لعام 2025 بشأن واقع الإنترنت في قازاخستان إلى اعتماد البلاد على المسارات الروسية، وتَركُّز الاتصالات الدولية في يد عدد محدود من المزودين.
وتشير تقديرات -كثيرًا ما تُذكر في التقارير الإقليمية- إلى أن نحو 95% من حركة مرور الإنترنت في قازاخستان تمرّ عبر الشبكات الروسية، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن حصة النطاق الترددي الدولي الذي توفّره شركات الاتصالات الروسية تبلغ نحو 80%.
ورغم أن هذه الأرقام تستند إلى مقاييس مختلفة ولا ينبغي الخلط بينها، فإنها تشير جميعًا إلى نقطة ضعف مشتركة: فأيّ خلل أو تغيير في إمكان الوصول عبر مسار رئيس قد يؤثّر في الربط لدى مناطق تتجاوز حدود قازاخستان.
ويوفر كابل الاتصالات الممتد عبر بحر قزوين خيارًا إضافيًا لمزودي خدمات الإنترنت، وهو أمر بالغ الأهمية، حتى إن لم تتحول حركة المرور إليه بشكل فوري أو كامل.
ويساعد وجود مسار ثانٍ في الحفاظ على استمرار الخدمة في أثناء الأعطال، ويمنح المزودين مرونة أكبر عند التفاوض على سعات النقل، ويقلل من الاعتماد على عدد محدود من شبكات العبور.
وتكمن القيمة الإستراتيجية لهذا الكابل في كونه بديلًا لخطوط الربط القائمة، وفي تعزيزه لمرونة الشبكة وقدرتها على الصمود.
وقد ربطت كل من قازاخستان وأذربيجان هذا المشروع بخطط أوسع تتعلق بـ "الممر الأوسط" (Middle Corridor).
وخلال الاجتماعات التي عُقدت في مدينة باكو، وقّعت الحكومتان اتفاقية لتطوير "طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين"، بما يشمل الخدمات اللوجستية الرقمية، وتتبّع الشحنات، والتخطيط المنسق للبُنية التحتية.
ويصف الرئيس القازاخستاني توكاييف هذا الكابل بأنه "تجسيد رقمي" للممر الأوسط، كما عدّه الرئيس الأذربيجاني علييف حلقة وصل يمكن أن تمتد لتشمل آسيا الوسطى وجنوب القوقاز.
في المقابل، ستعتمد القيمة الفعلية لهذه الاتفاقية على مدى قدرة الأنظمة المستعملة في المواني، والسكك الحديدية، وهيئات الجمارك، وشركات النقل على تبادل البيانات فيما بينها.

السعة والاختبار التجاري
يمتد الكابل لمسافة تقارب 380 كيلومترًا عبر قاع بحر قزوين، رابطًا بين مدينتي أكتاو وسومغايت.
وقد طُوِّر هذا المشروع -الذي ستتولى إدارته شركة "كاسبي لينك" (CaspiLink)، وهي مشروع مشترك بين شركتي "قازاخ تيليكوم" (Kazakhtelecom) القازاخستانية و"أذر تيليكوم" (AzerTelecom) الأذربيجانية- بسعة تصميمية تزيد على 400 تيرا بايت/ثانية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التعامل مع هذا الرقم بحذر؛ فهو يعبّر عن الإمكانات التقنية للنظام، ولا يشير بالضرورة إلى حجم حركة البيانات الفعلية، أو السعة المتاحة للاستعمال، أو الإيرادات المتوقعة.
وستعتمد النتائج التجارية على مقدار السعة التي سيجري تفعيلها وبيعها، ومدى جدوى هذا المسار بالنسبة لشركات الاتصالات الدولية.
ومن قازاخستان، يمكن للبيانات أن تنتقل عبر بحر قزوين إلى أذربيجان، ومن ثم تواصل مسارها عبر جورجيا وتركيا، أو عبر روابط إقليمية أخرى، وصولًا إلى أوروبا.
وتتضمن خطة "طريق الحرير الرقمي" (Digital Silk Way) الأوسع نطاقًا ربط مناطق جنوب القوقاز بأنظمة الكابلات في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.
وستحدّد خطوط الربط اللاحقة ما إذا كان الخط الجديد سيشكّل جزءًا من مسار دولي موثوق، أم سيظل مجرد رابط قوي بين نقطتي إنزال فقط.
وإذا كانت السعة محدودة أو كانت الأسعار غير تنافسية في أجزاء أخرى من المسار، فلن يكون عبور بحر قزوين وحده كافيًا لجعل الممر بأكمله جذابًا.
من ناحية ثانية، ثمة جدوى تجارية محتملة؛ فقد يشجع الكابل الجديد على الاستثمار في محطات الإنزال الساحلية، وشبكات الألياف الضوئية الأرضية، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية في مدينتَي أكتاو وسومغايت وغيرهما من المدن الواقعة على طول هذا المسار.
وتعمل قازاخستان على تعزيز تطوير مراكز البيانات، في حين تسعى أذربيجان لتوسيع دورها بصفتها مركزًا رقميًا إقليميًا.
رغم ذلك، تظل هذه احتمالات، وليست نتائج حتمية لمجرد مدّ كابل؛ فالمستثمرون يبحثون عن إمدادات كهرباء موثوقة، وأطر تنظيمية واضحة ومستقرة، وتكاليف تشغيل تنافسية، ووجود عملاء مستعدين لشراء هذه الخدمات.
وتشير التقديرات -قبل اكتمال المشروع- إلى أن تكلفته بلغت نحو 50 مليون دولار.
ونظرًا لأن شركتي الاتصالات قد طوّرتا الخط من خلال شركة "كاسبي لينك"، فإن المشروع يُعدّ متواضع النطاق مقارنة بمشروعات البنية التحتية الكبرى في قطاعَي السكك الحديدية أو الطاقة.
وستعتمد إيراداته على الاستعمال الفعلي؛ لذا سيتعين على المشغّلين وصنّاع السياسات مراقبة معدلات الاستعمال، وأسعار الجملة، وعدد شركات الاتصالات الدولية التي تعتمد هذا المسار، ومدى قدرته على جذب استثمارات في مراكز البيانات أو الخدمات السحابية.
لذلك، ينبغي عدم الخلط بين الأداء التجاري للكابل وبين الهدف السياسي المتمثل في رفع حجم التجارة الثنائية إلى مليار دولار.

القيمة الإستراتيجية ومحدودية الأثر
بالنسبة لقازاخستان، يمثّل هذا الخط جزءًا من مسعى تدريجي لتنويع سبل الربط الدولي؛ فهو يضيف مسارًا نحو الغرب دون الحاجة إلى التخلّي عن الروابط القائمة مع روسيا أو الصين.
وبهذا المعنى، فإنه يتيح هامشًا أكبر لإدارة المخاطر مع الحفاظ على العلاقات التجارية القائمة.
وفي الوقت نفسه، يعزز هذا الخط مكانة أذربيجان بصفتها نقطة وصل بين آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وأوروبا.
ويضفي الكابل طابعًا عمليًا ملموسًا على الشراكة المتنامية بين باكو وأستانا، التي تشمل مجالات النقل والطاقة والتجارة والدبلوماسية.
ورغم أهمية التداعيات الجيوسياسية، لا ينبغي النظر إلى هذا الكابل بصفته مجرد محاولة لإقصاء روسيا من الشبكات الإقليمية؛ فقرارات تحديد المسارات تخضع لاعتبارات تجارية بقدر ما تخضع لاعتبارات سياسية، إذ يأخذ المشغّلون في الحسبان عوامل مثل التكلفة، والموثوقية، والسعة، وطلب العملاء.
وستظل روسيا جزءًا مهمًا من منظومة الربط في المنطقة، ولدى قازاخستان مبرراتها للحفاظ على روابطها في اتجاهات متعددة.
إلى جانب ذلك، هناك مخاطر مادية ومؤسسية؛ إذ يمكن أن تتعرض الكابلات البحرية للتلف بسبب المراسي، أو أنشطة الصيد، أو تحركات قاع البحر، أو أعطال المعدّات.
ونظرًا لأن بحر قزوين تشترك فيه 5 دول، فإن ترتيبات الصيانة والإصلاح تتطلب تعاونًا مشتركًا.
ويفرض خط الربط الذي يمتد عبر عدّة دول تحديات تنظيمية وتشغيلية؛ فمهما بلغت السعة التقنية للكابل، فإنه لا يمكنه تعويض بطء الإجراءات الحدودية، أو عدم توافق أنظمة الشبكات، أو ضعف خطوط الربط البرية.
وقد يستغرق نمو الطلب وقتًا حتى يواكب السعة الجديدة المتاحة، وإذا لم تبادر شركات النقل، ومزودو الخدمات السحابية، وشبكات المحتوى بإبرام عقود أو توجيه حركة البيانات عبر بحر قزوين، فقد تظل معدلات الاستعمال الأولية منخفضة.
وهذا تحدٍّ مألوف في البنية التحتية للشبكات الأساسية؛ حيث غالبًا ما تُنشأ الشبكات استباقًا لطلب مستقبلي، في حين يستغرق وصول العملاء وقتًا أطول.
لذا، فإن عوامل مثل شفافية أسعار الجملة، وإتاحة الوصول المفتوح، والمنافسة، والربط البيني الموثوق، ستكون هي المحددة لمدى استفادة المزودين والمستعمِلين في المنطقة من هذا المسار.
بنية تحتية تمكينية
يُعدُّ المسار العابر لبحر قزوين بنيةً تحتيةً تمكينية، وليس تحولًا رقميًا بحدّ ذاته، وقد مثّلَ إطلاقه في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري علامةً فارقةً على الصعيدين السياسي والإنشائي.
وتتمثل المهمة الأكثر صعوبة الآن في ربط الكابل بكفاءة بالشبكات على كلتا الضفتين، وجذب حركة بيانات تجارية مستدامة.
ويتطلب ذلك التفاوض على اتفاقيات مع شركات الاتصالات، وتحسين الروابط البرية، وتوسيع مراكز البيانات وقدرات الربط الشبكي، بالإضافة إلى وضع إجراءات للصيانة والأمن السيبراني.
وقد غيّر هذا المسار خريطة الاتصال في المنطقة من خلال إنشاء خط ربط بحري مباشر بين قازاخستان وأذربيجان.
وسيعتمد أثره الأوسع على مدى نجاح المشغّلين في دمجه ضمن الشبكة الأوراسية، وما إذا كان سيصبح خيارًا موثوقًا لشركات الاتصالات الدولية.
رغم ذلك، يمثّل الإطلاق بدايةً لاختبار تجاري؛ فهو لا يعني بالضرورة تحوّل مسارات حركة البيانات، أو أن "الممر الأوسط" قد تحوّل إلى شريان رقمي رئيس.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة عرب بريس.
- قطاع خدمى إنتاجى.. كيف تتكامل الخدمات الرقمية والتصنيع فى قطاع الاتصالات؟
- وزير الاتصالات: الذكاء الاصطناعي محرك رئيسي للنمو ورفع الإنتاجية
- وزير الاتصالات: الذكاء الاصطناعي محرك للنمو خلال المرحلة المقبلة
- وزير الاتصالات: الذكاء الاصطناعى يفرض احتياجات متزايدة على البنية التحتية الرقمية
- وزير الاتصالات يشهد منح ترخيص إنشاء وتشغيل مركز بيانات وحوسبة سحابية باستثمارات 400 مليون دولار






