تتسع رقعة الاحتجاجات في أوروبا منذ أيلول الماضي، مع امتداد التظاهرات إلى فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال واليونان وألبانيا، وسط مطالب تتصل بغلاء المعيشة والسكن وتراجع الخدمات العامة وتدني الأجور.
وبينما تحولت بعض التحركات إلى مواجهات مع الشرطة، يبرز تزامنها في دول متعددة مؤشراً إلى ضغوط تتجاوز الأسباب المحلية، وفي مقدمتها تداعيات الحروب على أسعار الطاقة والاقتصادات الأوروبية، في وقت تواجه فيه الحكومات صعوبة في احتواء الغضب الاجتماعي بحلول سريعة.
غضب يتجاوز الحدود
تتصدر فرنسا مشهد الاحتجاجات، بعدما بدأت الموجة باحتجاجات طلابية في أيلول الماضي على نقص الموارد في المدارس، قبل أن تنضم إليها نقابات وحركة “السترات الصفراء”، وتتسع المطالب لتشمل المعيشة والخدمات العامة، وقدّر وزير الداخلية عدد المشاركين في تحركات 17 الشهر الجاري بنحو 550 ألفاً، بينهم 110 آلاف في باريس، فيما تراوحت الأرقام الرسمية للموقوفين بين 1200 و1800.
وفي إيطاليا، شهدت مدن عدة، بينها ميلانو وتورينو وبولونيا، صدامات على هامش مسيرات رفضت غلاء المعيشة وتراجع الأجور والخدمات، أما في بلجيكا، فتركزت التحركات على رسوم التسجيل الجامعي، وفي البرتغال على تكاليف السكن والوقود، بينما تصاعدت في اليونان احتجاجات على غلاء السكن الطلابي، وفي ألبانيا على الفساد وقلة فرص العمل.
ورغم اختلاف الشرارات المباشرة، تتقاطع هذه التحركات عند اتساع الفجوة بين تكاليف الحياة والقدرة على تحملها، ولا سيما لدى الشباب والفئات محدودة الدخل.
الحروب ترفع الأسعار
تأتي تداعيات الحرب الأميركية مع إيران، التي بدأت في شباط الماضي في صدارة العوامل الخارجية الضاغطة، بعدما أدت اضطرابات التجارة وإمدادات الطاقة إلى ارتفاع تكاليفها، وتُقدّر المفوضية الأوروبية الأعباء الإضافية التي تكبدتها أوروبا بنحو 100 مليار يورو، وسط ارتفاع أسعار الغاز بنحو 140 بالمئة ومضاعفة سعر الديزل، فيما سجلت أسعار الطاقة في فرنسا زيادة سنوية بلغت 21.3 بالمئة في أيلول.
ولا تنفصل هذه الصدمة عن آثار سنوات من الضغوط الاقتصادية التي أعقبت جائحة كورونا، وتفاقمت مع الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، إذ استنزفت الأزمات المتعاقبة مدخرات أسر أوروبية وقلّصت قدرتها على مواجهة ارتفاع جديد في الأسعار.
وتكشف بعض الشعارات الاحتجاجية، ومنها هتاف طلاب في تورينو “المال للمدارس لا للحرب”، عن انتقال الاعتراض من تكلفة المعيشة وحدها إلى أولويات الإنفاق الحكومي، في ظل تخصيص موارد كبيرة للدفاع والتعامل مع تداعيات الصراعات.
هشاشة الداخل الأوروبي
على الرغم من مركزية أسعار الطاقة، لا تكفي الحرب وحدها لتفسير اتساع الاحتجاجات، فقد تحولت أزمة السكن إلى مصدر رئيسي للغضب في البرتغال ودول أوروبية أخرى، فيما غذّى تراجع الخدمات التعليمية وارتفاع الرسوم ومحدودية فرص العمل شعوراً متزايداً بانسداد الأفق.
وتواجه الحكومات معضلة إضافية تتمثل في بطء النمو وارتفاع الديون وضيق الحيز المالي، ما يحد من قدرتها على خفض الضرائب وزيادة الإنفاق الاجتماعي في آن واحد، وفي هذا المناخ، تكتسب الاحتجاجات أبعاداً سياسية، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية في فرنسا وإيطاليا وبولندا، وتصاعد حضور أحزاب اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الموجة الراهنة نتاج التقاء صدمة خارجية في أسعار الطاقة مع تراكم أزمات داخلية في السكن والأجور والخدمات، فالحروب قد تشعل فتيل الغضب، لكن اتساعه يرتبط بمدى قدرة المجتمعات على تحمل تكاليفها، وبمدى استجابة الحكومات لمطالب المواطنين، لذلك، سيظل مسار الاحتجاجات مرتبطاً بتطور أسعار الطاقة، وإمكان تقديم حلول ملموسة، وقدرة القوى السياسية على استثمار حالة الاستياء القائمة.
أسرة التحرير
- التضخم فى فرنسا يقفز إلى 3.1%.. أسعار الطاقة تهدد استقرار أوروبا
- 7 دول أوروبية تشتعل.. 5 أزمات تفجر غضب الشوارع وتهدد الاستقرار.. فيديو
- ألمانيا وفرنسا وإيطاليا يتحدون خطة أوروبا.. هل تعود سيارات البنزين ؟
- من اليونان إلى فرنسا، المحتجون في أوروبا: "ليست أزمة مهاجرين.. والغلاء لا يُحتمل"
- من الحظر الليلى إلى نشر الجيش.. ماذا يحدث فى أوروبا لمواجهة الفوضى؟






