يحمل «الزجاج المعشّق الدمشقي» حكايةً تتجاوز حدود الحرفة التقليدية، إذ يرتبط بتاريخ العمارة السورية وتفاصيل البيوت الدمشقية القديمة، ويواصل حضوره حتى اليوم رغم التحولات التي طرأت على أنماط البناء والديكور.
وحسب الحرفي فايز تلمساني، يعود تاريخ هذه المهنة إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، بينما عُرفت في مراحلها الأولى باسم «القمرية»، موضحاً أن «القمرية» كانت تعتمد، إلى جانب الجبصين، على شرائح من حجر الكوارتز، الذي يمتلك قدرة على عكس الضوء، ما جعل استخدامه مناسباً ليلاً للاستفادة من ضوء القمر، ومن هنا جاءت التسمية.
ومع تطور هذه الصناعة، ولا سيما في العهد الفينيقي، دخل الزجاج في تصنيعها ليحل تدريجياً مكان الحجر، وأصبح امتزاج الزجاج بالجبصين السمة الأساسية لهذه الحرفة، ومنها جاءت تسمية «الزجاج المعشّق».
وأكد تلمساني لـ «لوطن» أن الحرفة تقوم على ثلاثة أنواع رئيسية ترتبط بالمواد المستخدمة في تنفيذها، وهي الخشب والجبصين والرصاص، بينما تتنوع زخارفها بين الأشكال الهندسية والنباتية، إلى جانب الخط العربي الذي يشكل عنصراً بارزاً في عدد كبير من الأعمال، وتنتشر نماذج الزجاج المعشّق في معظم البيوت الدمشقية القديمة، حيث كانت النوافذ والأبواب والقباب والأسقف تستفيد من خصائصه الجمالية والوظيفية.
وأشار تلمساني إلى أن هناك فرقاً بين الزجاج المعشق والزجاج الملون؛ فالأخير قد تظهر ألوانه في أجزاء مختلفة من النافذة من دون أن تكون مرتبطة بالجبصين، بينما يجمع الزجاج المعشق بين قطع الزجاج الملونة والجبصين ضمن تكوين واحد.
وشدد على أن وجود هذه الحرفة لا يقتصر على البيوت القديمة، بل تظهر نماذجها أيضاً في المساجد والكنائس ودور العبادة، فضلاً عن توسع استخدامها في السنوات الأخيرة داخل الفنادق والمطاعم والمقاصد السياحية، وفي الصالونات والمنازل الحديثة، بما يمنح المكان طابعاً مستوحى من التراث الشرقي والعمارة الدمشقية.
وبيّن تلمساني أن للزجاج المعشّق خصائص تتجاوز الجانب الجمالي، إذ يسهم في العزل عن الصوت والحرارة والرطوبة، كما يسمح للضوء بالمرور إلى داخل الغرف خلال النهار، فيرسم انعكاسات لونية على الجدران والمساحات الداخلية، بينما يمنح النوافذ في الليل مظهراً مختلفاً مع انعكاس الضوء إلى الخارج.
وعن مراحل التصنيع، أوضح تلمساني: “يبدأ تنفيذ القطعة بالحفر على الخشب أو الجبصين، قبل تثبيت قطع الزجاج الملون ضمن التصميم المطلوب، وتدخل في العملية قضبان الرصاص وشرائط النحاس والقصدير، حيث يتم رصف القطع وتثبيتها يدوياً وفق لوحة محددة، ما يتطلب دقة عالية وحساً فنياً وقدرة على التعامل مع الألوان والأشكال”.
وشدد على أن العمل تحكمه قواعد خاصة في توزيع الألوان والأشكال الهندسية، إضافة إلى الزخارف النباتية التي تستلهم الأزهار والأغصان، إلى جانب التصاميم التي تتضمن الخط العربي.
وأكد تلمساني أن طبيعة العمل تختلف باختلاف المكان الذي ستوضع فيه القطعة، سواء كان منزلاً أم مسجداً أو كنيسة أو قبة أو مساحة عامة، مضيفاً إن من أبرز ما يميز هذه الحرفة هو قدرتها على الجمع بين الوظيفة والجمال، إذ لا تقتصر القطعة على كونها عنصراً زخرفياً، بل تتحول إلى جزء من هوية المكان وذاكرته البصرية.
وعن المواد المستخدمة، كشف تلمساني أن الجبصين والزجاج الملون يشكلان أساس العمل، إلى جانب الخشب والرصاص ومواد التثبيت، مشيراً إلى استخدام «البليكسي غلاس» في بعض الأعمال كبديل للزجاج، نظراً إلى توافره بأسعار أكثر قبولاً وثبات ألوانه عند تعرضه لأشعة الشمس.
أما على صعيد التكلفة، فرأى أن تأمين المواد الأولية أصبح أكثر مرونة مقارنة بالفترة السابقة، خصوصاً مع سهولة نقل بعض المواد وإمكانية استيرادها، بعدما كانت تكاليف النقل والتأمين تشكل عبئاً إضافياً على الحرفيين.
ولفت إلى أن سوريا كانت تضم في السابق معملاً لإنتاج الزجاج، وكان يعد من المصانع المهمة في المنطقة، قبل أن يتوقف عن العمل، الأمر الذي دفع الحرفيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الزجاج المستورد، مؤكداً أهمية إعادة الاهتمام بالزجاج المعشّق بوصفه جزءاً من التراث السوري غير المادي، داعياً الجهات المعنية إلى دعم هذه المهنة والترويج لها، ولا سيما أن فنون العمارة السورية انتقلت نماذجها إلى مناطق مختلفة من العالم، وتشكل جزءاً مهماً من الفنون الإسلامية والشرقية.
كما دعا إلى إدخال التدريب العملي على هذه الفنون ضمن المؤسسات التعليمية والجامعات، خصوصاً كليات الفنون الجميلة والهندسة المعمارية، بما يتيح للطلاب التعرف إلى الحرف التراثية وتطبيقها عملياً، بدلاً من بقائها ضمن الجانب النظري فقط.
وأشار إلى أن الحرفة ما زالت تحظى باهتمام الدمشقيين، ولم يفقد الزجاج المعشق مكانته رغم انتشار المواد الحديثة، بل دخل في استخدامات جديدة، من ديكورات الفيلات والشقق والصالونات، إلى اللوحات الجدارية والأسقف المستعارة والثريات والقباب وغيرها.
وقد تعلم تلمساني هذه الحرفة في مركز الفنون التطبيقية بدمشق، بعدما التحق بالمركز في البداية لتعلم العمل في قسم البرونز، قبل أن تجذب انتباهه الألوان والأشكال البراقة للزجاج المعشق، ليقرر التوجه إلى تعلمها وإتقان تفاصيلها، وجعلها لاحقاً مصدر رزقه، موضحاً أن شغفه بالحرفة لم يتوقف عند تعلمها، بل عمل على نقلها إلى أفراد أسرته، كما درّب عدداً من الراغبين في تعلمها، وواصل بعضهم العمل معه ثم نقل ما تعلمه إلى آخرين، بما أسهم في استمرار تداول هذه المهنة بين الأجيال.
ويحرص تلمساني كذلك على المشاركة في المعارض من خلال أعمال ومنتجات مصنوعة من الزجاج المعشق، بهدف التعريف بالحرفة وتسويق منتجاتها، إلى جانب تبادل الخبرات والأفكار مع الحرفيين والفنانين المشاركين.
- الليلة، الإسماعيلية تختتم مهرجان الفنون الشعبية الـ26
- الأحد، حفل توزيع جوائز صالون الشباب في دورته الـ 36 بقصر الفنون
- بعد وفاة طفل بورسعيد وظهور آثارها فى العينة.. ما هي مادة الأمفيتامين؟
- “السورية للتجارة” تعود بأيدٍ سورية.. الحسن يكشف إرث الفساد ومخازن منسية
- لحماية طبقة الأوزون، تدريب 74 فني تبريد وتكييف بسوهاج على التعامل الآمن






