بقلم: ماهر علوش
يعود ملف حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها إلى واجهة النقاش بين الحين والآخر، مدفوعاً بجهود حقوقية ونيات إنسانية نبيلة تسعى إلى رفع الحرج القانوني والمعيشي عن أبناء وبنات السوريات.. وعلى الصعيد المبدئي والأخلاقي، لا يملك أي مراقب منصف إلا أن يتعاطف مع هذه المطالب، ويدعم كرامة المرأة السورية وحق أسرتها في الاستقرار.. غير أن تحويل هذا التعاطف الإنساني إلى مشروع قانون يستدعي وقفة هادئة، فالسياسات العامة والتشريعات المتصلة بالهوية الوطنية والنظام العام لا تبنى على المشاعر المجردة وحدها، بل تتطلب قراءة نقدية باردة لتعقيدات الواقع، وحسابات الأمن القومي، والقدرة المؤسسية للدولة السورية الجديدة. إن المشكلة الأساسية في المقاربات المتداولة حالياً تكمن في الخلط بين مستويين متباينين في التشريع: (1) المستوى الإنساني الخدمي، (2) والمستوى السياسي السيادي.. ولمقاربة هذا الملف بصورة علمية متزنة، لا بد أولاً من تحرير الدافع الأساسي لطرح هذا التعديل في هذا التوقيت الاستثنائي والمعقد من تاريخ سوريا.
أولاً: الدافع الدستوري وحسابات المواطنة
حين يطرح تعديل قانون الجنسية بوصفه ترجمة لمبدأ المواطنة المتساوية، ورفض التمييز على أساس الجنس، فنحن نتحدث هنا عن استحقاق دستوري وسيادي بالغ الحساسية؛ إذ إن قانون الجنسية (المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969) هو الأداة التشريعية الأساسية التي تعرّف شعب الدولة، وتحدد هويتها السياسية والديموغرافية.. إن الإقدام على خطوة تشريعية من هذا الوزن في أي دولة مستقرة ــ فضلاً عن دولة لا تزال تحت آثار الحرب ــ يصطدم بثلاثة موانع جذرية تحكم الواقع السوري الراهن:
الأول: غياب البيانات الوطنية والإحصاءات الموثوقة:
لا توجد حتى اللحظة الراهنة أي دراسات إحصائية أو بيانات وطنية دقيقة توضح حجم الشريحة المستهدفة، أو توزيعها الجغرافي، أو عدد النساء السوريات المتزوجات من غير سوريين، أو جنسيات أزواجهن (آباء أبناء وبنات السوريات)، أو عدد الأبناء المقيمين داخل البلاد مقارنة بالموجودين في الخارج، أو التوزيع العمري لهم، وأعداد القاصرين والبالغين منهم، أو نسبة من يملكون جنسية أخرى، أو يحملون جنسية الأب فعلياً مقابل من يفتقرون إليها تماماً.. والتشريع من دون إحصاءات وبيانات واضحة هو مخاطرة تشريعية غير محسوبة العواقب، تفتقد للأساس المنهجي والواقعي، وتفتقر إلى أبسط معايير دراسة الأثر التشريعي على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والديموغرافية، وسوق العمل.
الثاني: السيولة الأمنية وتشظي السجلات المدنية:
عاشت الجغرافيا السورية على مدى خمسة عشر عاماً زلازل ديموغرافية وأمنية غير مسبوقة، من تدفق للمقاتلين الأجانب، ووجود لقوى إقليمية ودولية متعددة، وفوضى في السجلات المدنية، وغياب مركزية التوثيق، حيث تفرقت القيود والبيانات المدنية بين سلطات الأمر الواقع، ما أفرز أربعة سجلات مدنية منفصلة تماماً، لا يمكن الجزم بمدى صحتها وموثوقيتها، حيث تخضع كل قائمة لسيطرة أمنية وسياسية مختلفة عن الأخرى.. إن فتح باب التجنيس الشامل تحت هذه الظروف الهشة، يفتح ثغرات أمنية هائلة، لا سيما مع عدم وجود كفاية في أجهزة الدولة على التدقيق الأمني، وإجراء التحقق من صحة شهادات النسب والولادات، ومخاطر التزوير والاحتيال الناتجة عن فوضى سنوات الحرب.. تضاف إلى ذلك إشكالية ازدواج الجنسيات للأبناء المولودين لآباء يرتبطون بجهات أو دول مُعادية للدولة السورية، وما يترتب على ذلك من تعارض في الالتزامات والولاءات القانونية على الأقل.
الثالث: نقص الشرعية التمثيلية وغياب الضرورة التشريعية
إن تعديل القوانين الناظمة للهوية الوطنية وقضايا المواطنة، مكانه الطبيعي برلمان كامل الشرعية، وهيئات دستورية منتخبة، في ظل بيئة سياسية مستقرة وموحّدة، ولا يمكن استيلاده في ظل مؤسسات تعيش مرحلة انتقالية، تحت ضغط آثار الحرب، من خلال ورشات عمل لمنظمات المجتمع المدني، أو حوارات غير رسمية على منصات التواصل الاجتماعي.. ومن جهة أخرى ــ وهي الأهم فيما أحسب ــ فإن العملية التشريعية تفرض الموازنة الصارمة بين التشريعات والاحتياجات؛ وهنا تبرز أهمية هذا السؤال المركّب: (1) ما مدى الضرورة التشريعية، (2) لقيام البرلمان الحالي، (3) بسن قوانين سيادية من هذا النوع، (4) وبهذا الحجم والأثر الديموغرافي، (5) في ظل تشتت السجلات المدنية، وغياب البيانات والإحصاءات الرسمية الموثوقة، (6) وانتفاء أي حالة إلجاء أو فراغ قانوني حرج يستدعي تعديل التشريعات السابقة فوراً، (7) مع إمكان تذليل جميع العقبات المعيشية والخدمية للمتأثرين، من خلال إصدار قرارات تنفيذية وإجراءات إدارية عاجلة من دون الحاجة إلى المساس بصلب قانون الجنسية؟ إن الجواب عن هذا السؤال المركّب من عدة أفكار مركزية كفيل بتحديد الاتجاه الأكثر واقعية، في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد.
ثانياً: الدافع الإنساني والحلول الإجرائية
في المقابل، إذا كان المحرك الأساسي للنقاش هو الجانب الإنساني الملح، والمتمثل في رفع المعاناة عن أسر السوريات من الأرامل والمطلقات، ومَن اختفى أزواجهن أو تعذر لهن إثبات النسب، والتي تعيش في ظروف استثنائية، وتعاني صعوبات في التعليم والطبابة والإقامة والعمل، فإن معالجة هذا الخلل لا تتطلب خوض جدل سياسي لتعديل قانون الجنسية.. بل يمكن الاستفادة من نماذج وتجارب إقليمية ودولية طوّرت حلولاً واقعية لهذه المشكلة، استندت أساسا إلى فكرة فك الارتباط بين (1) الحق الخدمي المدني (2) والحق السياسي الانتخابي، واعتمدت على تقديم تسهيلات إدارية وخدمية نوعية تحل مشكلات هذه الفئات.. ويمكن لسوريا الاسترشاد بتلك التجارب، وتبني مساراً تنفيذياً إجرائياً عاجلاً لمعالجة الخلل، يقوم على أساس:
1- منح بطاقة إقامة مدنية دائمة لأسر السوريات المتزوجات من غير السوريين، تكفل حمايتهم واستقرارهم.
2- إصدار قرارات وزارية تمنح أصحاب هذه البطاقة معاملة المواطن السوري الكاملة في قطاعات:
a. التربية والتعليم العالي: القبول في المدارس العامة، والجامعات بنفس الرسوم والشروط المطبّقة على السوريين.
b. الرعاية الصحية: الاستفادة الكاملة والمتساوية من خدمات الرعاية الصحية والمشافي العامة.
c. العمل والاستثمار: ممارسة المهن والأعمال من دون تعقيدات أذون العمل الخاصة بالأجانب، مع إتاحة تملّك العقارات السكنية والتجارية، وتسهيل الإجراءات القانونية، مع ضمان انتقال حقوق الإرث العقاري والمالي من الأم السورية لأبنائها من دون معوّقات بيروقراطية.
3- معالجة حالة انعدام الجنسية مراعاة لحقوق الطفل، وتثبيت الجنسية حكماً لمن ولد لأم سورية ولم تثبت نسبته لأبيه قانونياً؛ وذلك من خلال تفعيل المادة الثالثة من قانون الجنسية النافذ، من دون تعميم ذلك على الحالات التي يحمل فيها الأبناء جنسية آبائهم الأصلية.
الحل الرشيد.. فصل ذكي بين الحقوق الخدمية والاعتبارات السيادية
إن النضج السياسي يقتضي التمييز بين النيات الطيبة والسياسات الرشيدة.. أما الاندفاع العاطفي غير المحسوب نحو تجنيس فوري وشامل في بيئة إقليمية ومحلية هشة للغاية، مع ما ذكرناه سابقاً من المخاطر والتحديات، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية تهدد الاستقرار العام، وتنذر بتكاليف أمنية باهظة، مع ما تثيره من هواجس ومخاوف مشروعة على المستوى السيادي؛ في حين أن حرمان الأسر من حقوقها الأساسية وتعطيل حياة الأطفال، بحجة الحفاظ على الحقوق السيادية يمثل بدوره ظلماً اجتماعياً وإنسانياً غير مبرر لهذه الفئات.. والحل الرشيد يكمن في اعتماد ما طرحناه من فكرة الفصل الذكي بين الحقوق الخدمية والاعتبارات السيادية، حيث يتم رفع الأضرار المعيشية والخدمية عن تلك الفئات فوراً ومن دون تأخير، وذلك عبر الأدوات الإدارية والتنفيذية في الدولة، مع تأجيل ملف التجنيس أو تعديل قانون الجنسية ــ بوصفه مسألة أمن قومي ــ إلى الوقت المناسب لطرحه في السياق الدستوري، وذلك حين تستعيد الدولة السورية تعافيها المؤسسي، ويتوافر لديها البيانات الصحيحة والشاملة، ويصبح لديها القدرة اللازمة لتنفيذ هذا التشريع على الوجه الأمثل.
- وزارة التربية والتعليم السورية تحسم الجدل حول طمس الصور وتعديل المناهج
- Claude يطلق ميزة جديدة.. يحلل حساباتك البنكية ويكشف أين تذهب أموالك
- "OpenAI" تواصل الاستثمار بالذكاء الاصطناعي رغم رفض الناخبين لمراكز البيانات
- ربط إلكتروني وسجل موحد للبيانات البيئية.. تفاصيل تعاون الاستثمار والبيئة
- تعديل موعد مباراتي برشلونة وريال مدريد في الدوري الإسباني، تعرف على التفاصيل






