بين أغصان المزارع وعلى امتداد مساحات مفتوحة، تتوارى شباك صيد يصعب على الطيور رؤيتها، لكنها تتحول إلى مصائد لا تميز بين نوع وآخر.
وخلال جولة ميدانية في القلمون الشرقي، شاهدنا عصافير وطيوراً عالقة في هذه الشباك، بعضها يحاول الإفلات بجناحيه، فيما بدت أخرى منهكة أو نافقة، في مشهد يكشف جانباً من آثار الصيد الجائر خلال مواسم الهجرة.
وفي المنطقة نفسها، يجهز الصياد محمد بكر شباكه الممتدة عشرات الأمتار مع حلول الخريف، مستهدفاً طيور السمان وعصفور التين، وينصبها مساءً ليتفقدها صباحاً، مستعيناً بأجهزة التسجيل والمكبرات الصوتية التي تستدرج الطيور نحو المصائد، قبل جمع ما علق فيها.
ولا تنتهي رحلة الطيور عند إخراجها من الشباك؛ إذ ينتقل بعضها من الصيادين إلى الموزعين، ثم إلى الأسواق والمستهلكين، في سلسلة تداول تثير تساؤلات عن هوية الأنواع المعروضة وطرق صيدها وسلامة استهلاكها.
وتُعرض الطيور المصطادة في أطباق بلاستيكية بأحجام وكميات مختلفة، وتتفاوت أسعارها بحسب النوع والكمية، بدءاً من 100 ألف ليرة سورية، وتتوزع منافذ البيع بين محال الصيد والبقاليات، فضلاً عن إعلانات تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن تتوافر دائماً معلومات واضحة للمستهلك عن نوع الطيور أو طريقة اصطيادها.
ويبين بكر في تصريح لـ”الوطن” أن التسميات الشائعة التي تُطرح بها بعض الطيور للبيع لا تعكس بالضرورة أنواعها الحقيقية، مشيراً إلى أن بعضها يصل إلى الأسواق نافقاً بعد بقائه عالقاً في الشباك، وقبل ذبحه.
كما يوضح أن المصائد لا تقتصر على الطيور المعدة للاستهلاك، وإنما تطال أنواعاً مغردة وأخرى يحظر قتلها، من بينها الصرد والهدهد، فضلاً عن أنواع يقول إنها مهددة، كالقمري والشحيم.
ولا تتوقف تداعيات هذه الممارسات عند الطيور والحياة البرية، إذ تمتد إلى الأهالي المقيمين بالقرب من مواقع الصيد، نتيجة الأصوات المرتفعة الصادرة عن أجهزة التسجيل والمكبرات.
ويقول عبدو شحاذة، من أهالي الرحيبة، إن هذه الأصوات تتواصل خلال الليل وتمتد إلى ساعات متأخرة من الصباح، مسببة إزعاجاً للسكان ومؤثرة في راحتهم وخصوصيتهم.
وفي تقييمه للمخاطر البيئية، يوضح مصور الطيور المهاجرة إيهاب جبر لـ”الوطن” أن الجمع بين الشباك والدبق ووسائل الصيد الحديثة يفتح المجال أمام اصطياد كميات كبيرة من الطيور من دون مراعاة لاختلاف أنواعها، سواء بهدف بيعها للاستهلاك أو الاتجار بها، بما في ذلك تهريبها إلى خارج الحدود، الأمر الذي ينعكس سلباً على التنوع الحيوي.
من جهته، يشرح خبير الحياة البرية والتنوع الحيوي المهندس أحمد أيدك أن الشباك تكاد تكون غير مرئية للطيور، ما يجعل تفاديها أمراً صعباً، وقد يؤدي وقوعها فيها إلى تمزق الأجنحة وإصابة الأرجل والريش، فضلاً عن تعرضها للإجهاد والعطش أو افتراسها. وحتى الطيور التي تتمكن فرق الإنقاذ من تخليصها قد لا تستعيد قدرتها على استكمال رحلة الهجرة.
ويشير خبير البيئة والتنوع الحيوي ماهر ديوب إلى أن خطورة الشباك لا تنحصر في الطيور المستهدفة، إذ يمكن أن توقع أيضاً الجوارح والخفافيش والحشرات المفيدة، ما يؤدي إلى فقدان أعداد كبيرة من الكائنات خلال فترة وجيزة، وباستخدام وسيلة لا تتطلب جهداً كبيراً.
وتضم قائمة الطيور التي تتعرض للصيد، بحسب ديوب، الحسون والتفاحي والكناري والبلابل والأبلق وعصفور التين والفرّي والسمن والشحرور والوروار والترغل.
ولا تقتصر المخاطر على هذه الأنواع، إذ يمكن أن تعلق في الشباك طيور نادرة أو مهددة على المستويين المحلي والعالمي، مثل النعار السوري والقطقاط الاجتماعي والرخمة المصرية والعقبان والنحام الوردي، إلى جانب أنواع من البط، خصوصاً في محيط المسطحات المائية والأراضي الرطبة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات بالنظر إلى الموقع الجغرافي لسوريا على أحد مسارات الهجرة الرئيسية بين أفريقيا وأوراسيا، حيث تعبرها ملايين الطيور في موسمي الربيع والخريف، وتتخذ منها محطات للراحة والحصول على الغذاء قبل استئناف رحلتها.
ويلفت أيدك إلى أن استهداف الطيور خلال عبورها الربيعي ينعكس مباشرة على أعداد التي تصل إلى مناطق التكاثر، ولا سيما عندما تطال المصائد الطيور البالغة أو تلك التي تُصاد قبيل موسم التزاوج، بما يهدد استمرار تكاثرها ويؤثر في الأجيال التالية.
ويحذر ديوب من أن تراجع أعداد الطيور المهاجرة لا يقتصر تأثيره على الأنواع نفسها، بل يخل بانتظام دورات التكاثر على امتداد نطاقها الجغرافي.
كما أن انخفاض أعداد الطيور التي تتغذى على الحشرات، كالسنونو والوروار، يحد من قدرة الطبيعة على ضبط الآفات الزراعية، ويزيد الاعتماد على المبيدات، فضلاً عن انعكاساته على الجوارح والكائنات التي تعتمد في غذائها على الطيور الصغيرة.
من جانبه، يبين جبر أن الطيور تؤدي وظائف بيئية أساسية، من بينها تقليص أعداد الحشرات والآفات التي تلحق الضرر بالنباتات والأشجار المثمرة، والمساهمة في انتشار البذور، محذراً من أن اصطياد الطيور خلال فترة رعايتها للفراخ يحرم صغارها من الغذاء، وقد ينتهي بنفوقها.
وفي سياق متصل، ينقل جبر عن جمعيات أوروبية معنية بحماية الطيور توصيفها لسوريا ولبنان بأنهما «ثقب أسود للطيور المهاجرة»، في إشارة إلى حجم الأخطار التي تواجهها الطيور خلال عبورها المنطقة، وفي مقدمتها الصيد الجائر.
ويوضح المحامي والمختص بالقانون البيئي فراس حاج يحيى أن ممارسة الصيد البري ليست مطلقة، بل ترتبط بضوابط تشمل الحصول على الترخيص والالتزام بالموسم والموقع والأنواع والأعداد والوسائل المسموح بها.
ويشير إلى أن التعليمات التنفيذية تمنع استخدام الشباك وغيرها من الأدوات التي يمكنها اصطياد عدة كائنات في وقت واحد، مبيناً أن القانون رقم 14 لعام 2023 هو الناظم للصيد البري في سوريا، وقد ألغى المرسوم التشريعي رقم 152 لعام 1970.
ويبدأ موسم الصيد عموماً في الأول من أيلول ويستمر حتى مساء 15 شباط، فيما حُددت الفترة اليومية المسموح بها بساعة بعد شروق الشمس وحتى ساعة قبل غروبها، مع إتاحة تعديل الموسم أو إلغائه متى اقتضت حماية أنواع معينة أو مناطق محددة ذلك.
ويحظر القانون الصيد داخل المحميات والمناطق المأهولة، وفي المواقع الأخرى الواردة في المادة التاسعة، ومن بينها الأماكن الواقعة على مسافة تقل عن ألف متر من المواقع المشمولة بالحظر، فضلاً عن المتنزهات الحراجية والحدائق النباتية ومناطق الوقاية.
وفيما يتعلق بمعالجة المخالفات، يرى حاج يحيى أن الحد من الصيد الجائر يتطلب مراجعة قيمة الغرامات ورفع مستوى العقوبات بحق المخالفين المتكررين، ومن يمارسون الصيد لأغراض تجارية أو يستهدفون الأنواع المهددة.
كما يقترح اعتماد قاعدة بيانات إلكترونية وطنية لتسجيل الرخص والمخالفات، وتطوير آليات العمل المشترك بين الوزارات المختصة والجهات القضائية.
ويدعو جبر إلى الانتقال من النصوص القانونية إلى تطبيقها الفعلي، عبر تنشيط عمل الشرطة البيئية وتشديد الرقابة على الحدود للحد من تهريب الطيور وتداولها، وملاحقة تجارة معدات الصيد المخالفة.
أما أيدك، فيرى أن حماية الطيور تتطلب إقامة محميات تستند إلى غطاء قانوني واضح وتتوفر فيها رقابة مستمرة، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تتخذها الطيور المهاجرة محطات للراحة أو مواقع للتكاثر.
ويؤكد كذلك ضرورة إجراء دراسات ومسوح علمية بصورة منتظمة لمعالجة النقص في الأبحاث المحلية، ورصد الأنواع الأكثر تعرضاً للوقوع في المصائد، وتوفير نتائج هذه الدراسات والبيانات للجهات المعنية بما يساعدها على تحديد أولويات الحماية.
ويقترح ديوب توفير مصادر دخل بديلة ومستدامة للسكان المحليين، من خلال تشجيع السياحة البيئية وأنشطة مراقبة الطيور، إلى جانب التعريف بالتزامات سوريا بموجب الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتنوع الحيوي والأنواع المهاجرة.
ويحذر من أن استمرار تراجع أعداد الطيور ستكون له نتائج تتجاوز اختلال التوازن البيئي، لتشمل زيادة الآفات الزراعية وارتفاع تكلفة مكافحتها.
أسرة التحرير
- 76 نوعا يزين سماء الفيوم، بدء الموسم الشتوي لهجرة الطيور
- كأس مصر، داودا كامارا يحرز هدف مصر للتأمين الأول في شباك الزمالك
- من البحر للسوق.. 7 معلومات هامة عن صيد الدهرة في بورسعيد
- 3.5 مليون دينار.. صقر نادر يشعل مزاداً في ليبيا وطبرق عاصمة الصقور الأفريقية
- ولا كان عالبال يتصدر شباك تذاكر أمس ويحقق أكثر من 20 مليون جنيه






