“العكيد” و”الزعيم” و”القبضاي” و”الزكرتي” ألقاب عرفناها في دراما البيئة الشامية، وتناولها البعض بالنقد والتحليل، لكن لا كما يحللها ويتناولها الدكتور حازم محمد جوهر في دراسته “صناعة العكيد”.. البطل الشعبي الدمشقي بين التاريخ الاجتماعي والدراما التلفزيونية” الصادرة حديثاً عن دار “موزاييك للدراسات والنشر”، والتي يركّز فيها على نماذج قدمتها الأعمال التلفزيونية خلال السنوات الماضية ولا تزال تقدمها بطرق وصور مختلفة، وذلك من خلال الرجوع إلى واقعها التاريخي والاجتماعي في البيئة الدمشقية.
يبدأ د.جوهر دراسته بالحديث عن البطل في الدراما، ويقول: “تبدو هذه المسألة جديرة بالبحث في الدراما السورية، التي بدأت خطواتها التلفزيونية في ستينيات القرن العشرين، ثم قطعت خلال العقود التالية شوطاً جعلها من التجارب المؤثرة في الدراما العربية، ولاسيما منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، حين تنوعت موضوعاتها وظهرت أعمال تناولت التاريخ والمجتمع والسياسة وتحولات المدينة السورية من زوايا مختلفة، ومن يتابع تلك الأعمال يلحظ أن صورة البطل لم تستقر على نموذج بعينه؛ فالبطولة قد يحملها المثقف أو المناضل أو التاجر أو صاحب الحرفة أو الرجل العادي الذي دفعته ظروف عصره إلى اتخاذ موقف، وقد تتوزع على جماعة من الشخصيات فلا ينفرد أحد منها بتمثيل المجتمع كله، وهو ما ظهر في عدد من الأعمال التي تناولت دمشق وتاريخها الحديث، ولعل حمام القيشاني يقدم مثالاً مناسباً لهذه الصورة؛ فقد جعل من المكان الدمشقي مدخلاً إلى مجتمع واسع تتحرك فيه أسر وتجار ومثقفون وأطباء ومحامون وأصحاب مصالح واتجاهات سياسية مختلفة، وتتداخل حياتهم الخاصة مع الأحداث التي عرفتها سوريا في عهد الانتداب وما بعد الاستقلال، ومن ثم لم يحتج العمل إلى رجل واحد يحمل على كتفيه معنى البطولة الدمشقية، لأن المدينة نفسها، بما فيها من اختلاف في الطبقات والمصالح والأفكار، كانت حاضرة في صناعة الحدث، وكانت السياسة والثقافة والتعليم والعمل والعائلة مصادر متجاورة للمكانة الاجتماعية وللفعل داخل الحكاية”.
ويضيف: “غير أن صورة أخرى أخذت تتسع في الدراما السورية مع شيوع ما عرف لاحقاً بـ«دراما البيئة الشامية»، حتى غدا الرجل القوي، صاحب الهيبة والنخوة، القادر على جمع رجال الحارة والدفاع عنها، واحداً من أكثر وجوه دمشق التلفزيونية حضوراً، واستقرت إلى جانبه أسماء حملت معها دلالاتها الخاصة: الزكرتي، والقبضاي، والزعيم، والعكيد، وبلغ هذا الأنموذج ذروة حضوره الجماهيري مع “باب الحارة”، حيث تقدمت شخصية العكيد إلى قلب الحياة المحلية، وصارت القوة والرجولة والسمعة وحماية أهل الحارة ومواجهة المعتدي من المقاييس التي تحدد منزلته بين الرجال، ومع تكرار النموذج وانتشار العمل عربياً، تجاوزت هذه الصورة حدود الشخصية الدرامية نفسها، وأصبحت عند قطاع من المشاهدين جزءاً من تصورهم عن دمشق القديمة وأهلها، وفي هذا الصدد تبرز مسألة تستحق شيئاً من التؤدة؛ فالرجوع إلى التاريخ الاجتماعي لدمشق يكشف أن الرجل القوي الذي يجتمع حوله أبناء الحي لم يكن غريباً عن المدينة، وأن وراء صورة “القبضاي” المتأخرة تاريخاً طويلاً من أشكال الزعامة الشعبية والمحلية، وإن اختلفت أسماؤها ووظائفها باختلاف العصور”.
“ما الذي بقي في صورة العكيد من تاريخ الزعامة الشعبية في دمشق؟ وما الذي تغير حين انتقلت هذه الصورة إلى الشاشة؟ وما الذي أضافته الدراما حتى أصبح البطل الذي صنعته الذاكرة التلفزيونية مختلفاً عن الرجال الذين حفظت أخبارهم ذاكرة المدينة؟” أسئلة يطرحها الباحث، سعياً منه إلى “تتبّع صورة البطل في الدراما الشامية، وعدم الاكتفاء بقراءة هذه الصورة في شكلها التلفزيوني النهائي، وإنما العودة إلى السياقات التاريخية والاجتماعية التي يمكن أن تساعد في فهم العناصر التي تكوّنت منها”.
يعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي، ويستعين بأداتي الاستبانة وتحليل المضمون، يوضّح: “بلغ عدد أفراد العينة الذين استجابوا للاستبانة مئة واثنين وثلاثين مبحوثاً، على حين شمل تحليل المضمون خمسة أعمال درامية شامية هي “ليالي الصالحية”، و”باب الحارة”، و”حمام القيشاني”، و”الخوالي”، و”أهل الراية”، مع اختيار عدد من المشاهد التي ظهرت فيها الشخصيات البطولية وتحليلها وفق فئات تتصل بالسلطة والقيادة والقوة والشجاعة والقيم والعلاقات الاجتماعية”.
ويعرض الباحث نتائج دراسته بالقول: “أظهرت الدراسة أن شخصيتي العكيد والزعيم تحتلان موقعاً متقدماً في تصور الجمهور لصورة البطل في الدراما الشامية، مع تفاوت حضور النماذج الأخرى كالقبضاي والزكرتي، كما بينت النتائج أن نجاح هذه الشخصيات في ترسيخ نموذج بطولي لدى الجمهور لا يعني بالضرورة الاعتقاد بأنها تمثل الواقع التاريخي تمثيلاً كاملاً؛ فقد أظهر المبحوثون درجات متفاوتة من الثقة بواقعية الصورة الدرامية، وتوزعت النسبة الأكبر بين الثقة الجيدة والمتوسطة، على حين كانت نسبة الثقة القوية محدودة، كما كشفت المقارنة التاريخية أن صورة العكيد في الدراما لا تقابل نموذجاً تاريخياً واحداً بصورة مباشرة، وإنما تبدو أقرب إلى صياغة درامية جمعت صفات ووظائف ارتبطت في مراحل مختلفة بأشكال متعددة من الزعامة الشعبية والمحلية، ثم أعيد ترتيبها داخل شخصية مركزية تؤدي وظائف الحماية والقيادة والوساطة وتمثيل الحارة”.
دارسة معمقة ومفصلة، يدعمها الباحث الدكتور حازم جوهر باقتباسات من كتب متعددة ومقالات ودراسات سابقة، ويخلص إلى القول بضرورة التمييز بين الحضور الدرامي القوي لشخصية البطل وبين درجة مطابقتها للواقع التاريخي، وإلى أهمية توسيع المقارنة بين الأعمال الدرامية والمصادر التاريخية عند دراسة صورة المجتمع الدمشقي في التلفزيون.
الوطن ـ نجوى صليبه
- موضة الميكرو دراما، هل تكتب فصلا جديدا في صناعة المسلسلات؟
- 50 ألف دولار للمطورين.. إيبك جيمز تختبر حدود الـ AI فى صناعة الألعاب
- صناعة البامبو مهنة تخترق عالم الأثاث بدمياط.. فرص عمل للشباب وإنتاج مطلوب خارج مصر
- سلطان الديب يجمع هدى الإتربى بـ أحمد العوضى للمرة الثالثة فى الدراما
- آري جان في أوبرا دمشق.. أمسية تجمع التراث السوري بموسيقى الدراما






