تبرز أهمية دور الفن التشكيلي بصورة واضحة في المراحل التي تمر فيها المجتمعات بتحولات كبرى أو أزمات وحروب، إذ يصبح الفن وسيلة لتسجيل الأحداث، والتعبير عن الألم والخوف والأمل، وحماية الذاكرة والهوية، إلى جانب قدرته على فتح مساحات للحوار واستعادة العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
رأى الفنان التشكيلي عدنان حميدة أن الفن لا يمكن فصله عن حياة المجتمع أو اختزاله في الجانب الجمالي، باعتباره إحدى الوسائل التي يعبّر من خلالها الناس عن ذواتهم، ويعيدون اكتشاف ذاكرتهم وهويتهم وأسئلتهم وأحلامهم.
وأشار في تصريح لـ «عرب بريس» إلى أن العمل الفني يستطيع الاحتفاظ بتفاصيل قد لا تتمكن الوثائق التقليدية من تسجيلها، فاللوحة والصورة والمسرح والسينما والموسيقى والعمارة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى شاهد على مرحلة تاريخية كاملة بما حملته من أفراح وآلام وتحولات.
وأكد حميدة أن الفن يسهم كذلك في تشكيل الهوية من خلال التراث البصري والزخارف والخط العربي والعمارة والأزياء والحرف والفنون الشعبية، وهي عناصر تشكل بمجملها الذاكرة البصرية للمجتمع وتحافظ على خصوصيته في ظل التشابه الثقافي المتزايد.
كما شدد على أن دور الفنان لا يقتصر على تسجيل ما يحدث حوله، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة الواقع ومنحه دلالات جديدة، إذ يستطيع الفن تناول موضوعات الفقر والحرب والهجرة والظلم والحب والأمل والانتماء، وتقديم لغة بصرية لمشاعر قد يصعب التعبير عنها بالكلمات.
ونوه أن الفن يؤدي دوراً في بناء الوعي، لأنه لا يقدم بالضرورة إجابات جاهزة، وإنما يدفع المتلقي إلى السؤال والتأمل والنظر إلى القضايا من زوايا مختلفة، بما يعزز التفكير النقدي، كما أنه يمتلك وظيفة تربوية، فهو لا يعلّم الإنسان الرسم فقط، وإنما ينمي لديه الملاحظة والتخيل والتفكير والاختيار، ويساعده على تحويل الأفكار إلى أشكال بصرية.
ومن الوظائف التي يبرزها حميدة أيضاً قدرة الفن على جمع أشخاص ينتمون إلى خلفيات دينية وقومية واجتماعية وعمرية مختلفة، فالعمل الفني قد يتحول إلى مساحة مشتركة للحوار حول الجمال والمعنى والإنسان، ويسهم في تخفيف الحواجز بين الناس.
وتزداد أهمية هذا الدور في المجتمعات التي مرت بالصراعات، حيث يمكن للفن أن يسهم في ترميم العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ومكانه وذاكرته، وفقاً لقوله.
وأضاف: “في المجتمعات الخارجة من الحروب والأزمات، لا تتوقف عملية إعادة البناء عند ترميم المدن والمنشآت، وإنما تمتد إلى الذاكرة والثقة والمشاعر، ومن هنا يستطيع الفن أن يمنح الضحايا والناجين مساحة للتعبير، وأن يحفظ الذاكرة من دون أن يحولها بالضرورة إلى مصدر جديد للكراهية، وذلك عبر المعارض والأفلام والمسرح والأعمال التذكارية والمشروعات المرتبطة بالأماكن والذاكرة”.
كما أشار حميدة إلى أن الفن يمثل قطاعاً ثقافياً واقتصادياً يمكن أن يوفر فرصاً للعمل والاستثمار من خلال المعارض والمتاحف وصالات الفن والتصميم والسينما والإعلان والحرف والعمارة وغيرها من الصناعات الإبداعية.
وركز حميدة أن تأثير الفنون يمتد إلى المدن نفسها، إذ يمكن للجداريات والنصب التذكارية والعمارة والتصميم الحضري والمنشآت الثقافية أن تسهم في تشكيل شخصية المدينة وهويتها البصرية، وتحويلها من مجرد مساحة للسكن إلى مكان يحمل ذاكرة وملامح خاصة.
وأفاد بأن الفن يمكن أن يشكل إحدى أدوات القوة الناعمة، إذ يستطيع الفنان تقديم صورة عن بلده وثقافته إلى العالم بعيداً عن الخطابات الرسمية، فيما قد تتحول لوحة أو فيلم أو معرض إلى مساحة للتعارف والحوار بين الثقافات.
واختصر حميدة الوظيفة الأعمق للفن في الدفاع عن إنسانية الإنسان، فالعمل الذي يصور وجهاً متعباً أو أماً تنتظر ابنها أو طفلاً نجا من الحرب لا يوثق حالة فردية فحسب، وإنما يضع الحياة الإنسانية في قلب المشهد ويمنح الألم شاهداً بصرياً.
- «الكهرباء» تبدأ أعمال الصيانة الدورية لشبكتها غداً
- وثائقي جديد عن ماثيو بيري يعيد ذكريات صراعه مع الإدمان
- الحرية المصرى: رسائل الرئيس تضع تحسين حياة المواطنين فى صدارة الأولويات
- من “أسمهان” و”نزار قباني” إلى الجريمة والخيانة.. ما أسباب تراجع دراما السيرة الذاتية؟
- يوم في حياة كل قرية، مبادرة لتحسين الخدمات والاستماع لشكاوى أهالي أولاد موسى بالشرقية





