نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الخرج السعودية إلى جزيرة خرج الإيرانية: كيف تصنع الدولة معنى الجغرافيا؟, اليوم الأربعاء 13 مايو 2026 11:42 مساءً
أحيانا يقودنا التقارب اللغوي إلى أسئلة أعمق من ظاهره، فبينما كنت أتابع نشرة الأخبار، استوقفني تقارب اسمين فيها: الخرج السعودية وجزيرة خرج الإيرانية. عندها أغمضت عيني قليلا، أتأمل فيما أثاره هذا التقارب من تساؤل: كيف يمكن لاسمين متقاربين أن يحملا حكايتين مختلفتين؟
جغرافيا، احتل الموقعان أهمية لافتة عبر التاريخ الإسلامي؛ فالخرج عرفت منذ القدم بخصوبتها وإنتاجها الزراعي المتنوع وموقعها الاستراتيجي، بينما عرفت جزيرة خارك - كما ورد اسمها في مصادر تلك الفترة - بموقعها البحري الحيوي، ومغاص اللؤلؤ فيها، وحضورها التجاري.
غير أن المفارقة الحقيقية لا تقف عند التاريخ، بل تمتد إلى ما آلت إليه الجغرافيا اليوم. فقد تحولت الخرج بفضل الله ثم بحسن إدارة الدولة إلى أحد أهم شرايين الأمن الغذائي، ليس على مستوى المملكة فحسب، بل امتد أثرها إلى محيطها الخليجي وإلى العالم؛ إذ بلغت جودة إنتاجها الزراعي حدا مكنها من تصدير منتجاتها، إلى الأسواق الأوروبية وفي المقابل، تعد جزيرة خرج المنفذ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، حيث يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط.
لكن أهمية المورد لا تكفي وحدها لصناعة نموذج ناجح، وهنا يظهر أثر الدولة بوضوح، ليس في امتلاك المورد، بل في طريقة توجيهه وإدارته، وفي نوع الأولويات التي تحكم استخدامه. وهذا هو الفارق الجوهري بين دولة ترى في الجغرافيا فرصة لصناعة الحياة، وتمنحها معناها الحقيقي، وتحولها من مساحة على الخريطة إلى مشروع تنموي ينعكس على المجتمع والاقتصاد والتنمية، وبين دولة تستغل مواردها لتأجيج مسارات الصراع والتوتر وعدم الاستقرار.
وقد أثبتت الأزمة الأخيرة، على امتداد أسابيعها، قوة البناء السعودي ورسوخ دعائمه؛ إذ بقيت حياة المواطن والمقيم مستقرة، والخدمات ماضية بكفاءتها، والداخل محفوظا من أن تؤثر عليه ارتدادات الاضطراب كما أثرت بغيره.
بل إن المملكة لم تنشغل بنفسها وحدها، وإنما أضحت - بما لها من مكانة وقيادة ومسؤولية - عونا لجوارها وسندا لمحيطها، مؤكدة في كل ظرف أنها وطن عظيم يحمل معنى المسؤولية تجاه أمته. ويحق لنا كسعوديين، أن نفخر بقيادة جعلت من الموارد طريقا للبناء والتنمية، ومن الإنسان محورا للرعاية والعناية.
وهنا يكمن الفارق الحقيقي: ليس بين اسمين، بل بين رؤيتين... رؤية تبني ورؤية لا تعرف معنى البناء.







0 تعليق