لم تعد الاحتجاجات التي شهدتها عدة دول أوروبية خلال الأسبوع الجاري مجرد تحركات مطلبية منفصلة، بعدما تحولت بعض المظاهرات إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق ونهب، في وقت خرج فيه آلاف المواطنين للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة، ووقف ارتفاع الأسعار، وتوفير السكن، وإنقاذ الخدمات العامة، وتحسين أوضاع التعليم.
وبرزت فرنسا بوصفها إحدى أكثر ساحات الاحتجاجات عنفًا، بالتزامن مع مظاهرات شهدتها إيطاليا وبلجيكا، فيما تواصلت التحركات في ألبانيا على خلفية مطالب اجتماعية وسياسية. وفي البرتغال، تصدرت أزمة السكن والأجور مطالب المتظاهرين، بينما ارتبطت الاحتجاجات في إسبانيا بمشكلة الإيجارات والإخلاء السكني.
ورغم اختلاف الظروف من دولة إلى أخرى، فإن تزامن هذه التحركات يطرح تساؤلات بشأن الأسباب التي تدفع الأوروبيين إلى الشارع، والسيناريوهات المحتملة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية ولم تتمكن الحكومات من تقديم حلول مقنعة.
5 أسباب وراء تصاعد الاحتجاجات وأحداث الشغب في أوروبا
1- غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة والوقود
يأتي ارتفاع تكاليف المعيشة في مقدمة العوامل التي غذت الاحتجاجات، إذ تواجه الأسر ضغوطًا متزايدة من أسعار الغذاء والطاقة والمصروفات اليومية، في حين لا ترتفع دخول جميع العاملين بالوتيرة نفسها.
وتشير بيانات أوردتها «يورونيوز» إلى أن أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بنحو 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. ويعني ذلك أن تباطؤ التضخم، عندما يحدث، لا يعيد الأسعار تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة، بل قد يظل المستهلك مضطرًا إلى دفع مبالغ أعلى مقابل الاحتياجات نفسها.
وفي فرنسا وإيطاليا، ارتبطت الاحتجاجات بمطالب خفض الأسعار وتحسين الأجور، فيما اتسعت المطالب لتشمل الوقود والمعاشات والإنفاق الحكومي. ويزيد الشعور بتراجع القدرة الشرائية من حدة الغضب، خاصة لدى الشباب والعاملين ذوي الدخول المحدود.
2- أزمة السكن والإيجارات التي تثقل كاهل الشباب
تمثل أزمة السكن سببًا رئيسيًا آخر وراء الاحتجاجات، خصوصًا في المدن التي ارتفعت فيها الإيجارات وأسعار العقارات إلى مستويات يصعب على الشباب والأسر محدودة الدخل تحملها.
وفي البرتغال، خرج متظاهرون في لشبونة للمطالبة بإجراءات تتيح الحصول على مساكن بأسعار مناسبة، إلى جانب تحسين الأجور والمعاشات، وفقا لصحيفة لاراثون الإسبانية فقد تضاعفت أسعار المنازل في البرتغال بأكثر من مرتين منذ عام 2017، بينما ارتفعت إيجارات العقود الجديدة بصورة كبيرة.
وفي إسبانيا، عادت أزمة السكن إلى واجهة النقاش بعد تحركات مرتبطة بالإخلاء السكني وارتفاع الإيجارات، وسط مطالب بتقييد الزيادات وحماية المستأجرين. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن السكن لم يعد بالنسبة إلى كثير من الشباب مجرد تحدٍ مؤقت، بل أصبح عائقًا أمام الاستقلال وتكوين الأسر والاستقرار الوظيفية.
3- تراجع الخدمات العامة وأزمة التعليم
لم تقتصر احتجاجات أوروبا على الأسعار والسكن، بل انطلقت تحركات في فرنسا من مطالب تتعلق بظروف المدارس ونقص المعلمين وتدهور بعض المنشآت التعليمية، قبل أن تنضم إليها فئات اجتماعية أخرى.
وتعكس هذه المطالب مخاوف من تراجع جودة الخدمات العامة، في وقت يشعر فيه المواطنون بأن الأعباء المالية تتزايد بينما لا تتحسن الخدمات بالقدر المطلوب. كما أثارت سياسات خفض الإنفاق العام اعتراضات من نقابات وطلاب وعاملين يخشون انعكاسها على التعليم والرعاية والخدمات المحلية.
وفي بلجيكا، تزامنت الاحتجاجات مع اعتراضات طلابية على تكاليف التعليم وإصلاحاته، بينما ارتبطت التحركات في ألبانيا بمشكلات الجامعات وفرص العمل، إلى جانب اتهامات سياسية تتعلق بالفساد. وهكذا تحولت مطالب الطلاب في بعض البلدان إلى نقطة انطلاق لحراك أوسع يضم فئات مختلفة
4- أزمة الثقة في الحكومات وتصاعد المواجهة بين الشرطة والمتظاهرين
السبب الخامس يتعلق بطريقة تعامل السلطات مع المطالب الشعبية، وبمدى ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على الاستجابة لها. فعندما تتزامن الضغوط المعيشية مع شعور بأن الشكاوى لا تلقى استجابة كافية، قد تتسع الاحتجاجات وتتداخل فيها مطالب اقتصادية وسياسية.
وفي فرنسا، أثارت المواجهات وأعمال التخريب وانتقادات استخدام القوة الأمنية جدلًا بشأن إدارة الاحتجاجات، بينما شددت السلطات على ضرورة محاسبة المتورطين في الاعتداءات والنهب. وفي ألبانيا، امتدت بعض التحركات إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين ومواجهة الفساد.
ومع ذلك، ينبغي الفصل بين المشاركين في الاحتجاجات السلمية والمجموعات التي تلجأ إلى التخريب أو العنف؛ فوجود أعمال شغب لا يعني أن جميع المتظاهرين يؤيدونها، كما أن اتهامات السلطات أو المحتجين بشأن المسؤولية عن التصعيد تحتاج إلى أدلة وتحقيقات. 4 سيناريوهات محتملة لمستقبل الاحتجاجات الأوروبية
السيناريو الأول: اتساع الاحتجاجات إذا استمرت الضغوط المعيشية
إذا بقيت أسعار الاحتياجات الأساسية مرتفعة ولم تتحسن القدرة الشرائية، فقد تتواصل المظاهرات وتتسع المشاركة فيها، خصوصًا إذا انضمت النقابات والطلاب والعاملون إلى التحركات. وقد تظهر بؤر احتجاج جديدة في دول تعاني مشكلات مشابهة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتقال أعمال الشغب نفسها إليها.
السيناريو الثاني: احتواء الغضب عبر تنازلات اجتماعية واقتصادية
قد تلجأ الحكومات إلى إجراءات تستهدف الفئات الأكثر تضررًا، مثل دعم الأسر محدودة الدخل، وتحسين ظروف التعليم، وزيادة المعروض من المساكن، أو التفاوض مع النقابات بشأن الأجور. ويمكن لهذه الخطوات تخفيف الاحتقان إذا كانت ملموسة وسريعة، إلا أن الوعود وحدها قد لا تكون كافية إذا استمرت المشكلات الأساسية.
السيناريو الثالث: تشديد أمني وقيود أكبر على التجمعات
قد تدفع أعمال التخريب والاعتداءات السلطات إلى تعزيز الانتشار الأمني وتوسيع إجراءات ضبط التجمعات وملاحقة المتورطين في العنف. وقد يحد ذلك من التخريب في بعض المواقع، لكنه قد يثير جدلًا جديدًا إذا شعر المحتجون بأن الإجراءات تستهدف الاحتجاج السلمي أو تقيد الحريات العامة.
السيناريو الرابع: انتقال الأزمة إلى السياسة والانتخابات
يمكن أن تصبح قضايا الأسعار والسكن والتعليم والأمن محورًا رئيسيًا في المنافسة السياسية خلال الفترة المقبلة، مع محاولة الأحزاب تقديم تفسيرات مختلفة لأسباب الاحتجاجات ومسؤولية الحكومات عنها. وقد تؤثر هذه القضايا في النقاشات الانتخابية، لكن اتجاه التأثير سيختلف من دولة إلى أخرى، ولا يمكن الجزم مسبقًا بالجهة التي ستستفيد سياسيًا.
أوروبا أمام اختبار مزدوج
تكشف احتجاجات أكتوبر عن اختبار مزدوج للحكومات الأوروبية: معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى الشارع، وفي الوقت نفسه حماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان سلامة المواطنين وحقهم في التعبير السلمي.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بأن القارة تتجه إلى موجة موحدة من الشغب، لأن التحركات تختلف في مطالبها وحجمها ودرجة العنف المصاحبة لها. لكن استمرار أزمة السكن وضغوط المعيشة والخلافات حول الخدمات العامة قد يبقي الشارع حاضرًا بقوة في المشهد السياسي.
وسيظل المسار المقبل مرتبطًا بقدرة الحكومات على تحويل الوعود إلى إجراءات قابلة للقياس، وبكيفية إدارة الاحتجاجات والتحقيق في أعمال العنف، من دون الخلط بين المطالب الاجتماعية المشروعة والتخريب. فاحتواء الأزمة لا يعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى حلول اقتصادية واجتماعية يشعر المواطنون بنتائجها في حياتهم اليومية.
- من فرنسا إلى إسبانيا وألبانيا.. احتجاجات أوروبا تكشف اتساع الضغوط المعيشية
- مشاهد صادمة من حرائق ونهب واشتباكات.. الفوضى تجتاح أوروبا.. ماذا يحدث؟
- هل يشارك معلمو الحصة فى أعمال امتحانات العام الدراسى الجديد؟ التعليم تجيب
- جامعة الإسكندرية تؤكد على تعزيز التواصل مع الطلاب وتطوير اللوائح الدراسية
- بمشاركة دولية واسعة، انطلاق أعمال الدورة الـ19 للجنة الكودكس المعنية بالملوثات في الأغذية بالقاهرة






