قد يبدو الجسر مجرد منشأة هندسية صُممت لاختصار المسافات بين ضفتين، لكن بعض الجسور في العالم تجاوزت وظيفتها التقليدية، لتتحول إلى مسارح لتبادل الجواسيس، أو نقاط لاتخاذ قرارات مصيرية، أو حدود تفصل بين سكان المدينة الواحدة، حتى أصبحت السياسة، وليس المسافة، هي التي تحدد إمكانية العبور.
وتعيد استعدادات الصين وكوريا الشمالية لافتتاح جسر نهر يالو الجديد، غدًا الخميس، بعد 12 عامًا من اكتمال بنائه، تسليط الضوء على هذه المفارقة، بعدما ظل جسر بطول ثلاثة كيلومترات معطلًا منذ عام 2014، بسبب تأخر تجهيز الطرق والمرافق على الجانب الكوري الشمالي، وسط ظروف سياسية واقتصادية معقدة.
لكن جسر يالو ليس الحالة الوحيدة التي تحولت فيها منشأة للربط إلى شاهد على الانقسام أو الصراع، فهناك جسور ارتبطت أسماؤها بمصائر أسرى الحروب، وأخرى استخدمتها القوى الكبرى لتبادل رجال المخابرات، وثالثة أصبحت نقطة فاصلة بين مجتمعات تعيش داخل مدينة واحدة.
جسر اللاعودة.. قرار واحد يحدد المصير
على الحدود بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، يوجد جسر صغير يحمل اسمًا غير مألوف، هو «جسر اللاعودة»، الذي ارتبط بواحدة من أكثر عمليات تبادل الأسرى حساسية بعد انتهاء القتال في الحرب الكورية عام 1953.
فخلال ترتيبات تبادل أسرى الحرب، كان على بعض الأسرى اتخاذ قرار بشأن الجهة التي يريدون الانتقال إليها، في ظل الخلافات بين المعسكرين حول إعادة الأسرى إلى أوطانهم أو السماح لهم برفض العودة.
جسر اللاعودة
واكتسب الجسر اسمه من طبيعة إجراءات التبادل التي جعلت اختيار الجانب الآخر قرارًا نهائيًا ضمن العملية، إذ لم يكن مسموحًا للأسير الذي يعبر بتغيير اختياره والعودة عبر الجسر مرة أخرى.
وهكذا تحولت مسافة قصيرة فوق مجرى مائي إلى نقطة فاصلة في حياة أشخاص وجدوا أنفسهم أمام اختيار قد يحدد مستقبلهم بعيدًا عن عائلاتهم أو أوطانهم، بينما بقي الجسر رمزًا للانقسام الذي لم تنهه هدنة الحرب الكورية.
جسر الجواسيس.. عندما التقت واشنطن وموسكو في منتصف الطريق
وفي ألمانيا، اكتسب جسر غلينكه، الذي يربط برلين الغربية بمدينة بوتسدام في ألمانيا الشرقية سابقًا، شهرة عالمية خلال الحرب الباردة، بعدما تحول إلى موقع لتبادل جواسيس وأسرى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهما.
وشهد الجسر أولى عمليات التبادل الشهيرة عام 1962، عندما أُطلق سراح الطيار الأمريكي فرانسيس غاري باورز، الذي أُسقطت طائرته التجسسية فوق الأراضي السوفيتية، مقابل إطلاق سراح رودولف أبيل، الذي كان قد أُدين بالتجسس لصالح موسكو في الولايات المتحدة.
جسر غلينكة
وتكررت عمليات التبادل خلال السنوات التالية، وصولًا إلى عملية واسعة عام 1985 شملت إطلاق سراح 23 شخصًا من السجون في ألمانيا الشرقية وبولندا مقابل أربعة أشخاص احتجزتهم السلطات الغربية، ثم عملية أخرى عام 1986.
ولم يكن اختيار الجسر مصادفة، فقد سمح موقعه على الحدود بين المعسكرين بتنفيذ عمليات تسليم متزامنة تحت إجراءات أمنية مشددة، دون الحاجة إلى إدخال الأطراف المتبادلة إلى عمق أراضي الخصم.
وبينما كانت الحدود الألمانية تمثل أحد أبرز رموز الانقسام الأوروبي، أصبح جسر غلينكه مساحة محدودة للتفاهم بين خصمين، لم يتفقا على إنهاء صراعهما، لكنهما استطاعا الاتفاق على عبور أشخاص بعينهم.
جسر ميتروفيتسا.. مدينة واحدة وضفتان متخاصمتان
أما في مدينة ميتروفيتسا بكوسوفو، فقد اكتسب الجسر الرئيسي فوق نهر إيبار دلالة مختلفة، بعدما أصبح رمزًا للانقسام بين منطقتين داخل المدينة نفسها، يغلب على سكان شمالها الانتماء الصربي، بينما تسكن جنوبها أغلبية ألبانية.
وتعود جذور الأزمة إلى حرب كوسوفو عام 1999 وما أعقبها من ترتيبات أمنية وسياسية، إذ تحول الجسر إلى نقطة حساسة شهدت مواجهات واحتجاجات وقيودًا على حركة المركبات، رغم أنه شُيّد أصلًا لتسهيل الانتقال بين ضفتي النهر.
جسر ميتروفستا
وخلال السنوات التالية، جرت محاولات لإعادة تأهيل الجسر وفتحه بصورة كاملة، لكن الخلافات بشأن الأمن والسيادة والعلاقات بين صربيا وكوسوفو ظلت تعرقل عودة حركة المرور المعتادة، وسط تدخلات دبلوماسية من الاتحاد الأوروبي وقوات حفظ السلام الدولية.
والمفارقة أن عبور النهر لم يكن يحتاج إلى مشروع هندسي جديد، وإنما إلى تفاهمات سياسية وأمنية تسمح باستخدام جسر قائم بالفعل، بعدما أصبح الانتقال بين ضفتي المدينة مرتبطًا بأزمة أوسع بشأن وضع كوسوفو والعلاقات بين مكوناتها السكانية.
جسر موستار.. عندما يصبح تدمير المعبر رسالة حرب
وفي البوسنة والهرسك، تحول الجسر القديم بمدينة موستار إلى أحد أبرز رموز الحرب التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، بعدما دُمّر في نوفمبر 1993 خلال القتال بين القوات الكرواتية والبوسنية.
وكان الجسر الحجري التاريخي، الذي شُيّد في القرن السادس عشر فوق نهر نيريتفا، يمثل أحد المعالم المعمارية والثقافية للمدينة، قبل أن يصبح تدميره رمزًا لما أصاب النسيج الاجتماعي خلال الحرب.
جسر موستار
وبعد انتهاء الصراع، أُعيد بناء الجسر باستخدام تقنيات ومواد مستوحاة من تصميمه الأصلي، وأُعيد افتتاحه عام 2004، في مشروع شاركت في دعمه مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي واليونسكو.
لكن إعادة بناء الحجارة لم تعنِ بالضرورة زوال جميع الانقسامات التي خلفتها الحرب، وهو ما جعل الجسر يحمل دلالتين متوازيتين، إحداهما تتعلق بإمكانية إعادة وصل ما دمرته المعارك، والأخرى تذكر بأن المصالحة بين المجتمعات قد تكون أكثر تعقيدًا من إعادة تشييد المنشآت.
عندما تصبح المسافة قرارًا سياسيًا
تكشف هذه القصص عن وظائف متباينة للجسور، فجسر اللاعودة ارتبط باختيار مصيري لأسرى الحرب، وغلينكه أصبح موقعًا للتفاوض وتبادل الجواسيس، وميتروفيتسا تحول إلى نقطة انقسام داخل مدينة واحدة، بينما حمل جسر موستار رمزية الدمار وإعادة البناء.
أما جسر يالو الجديد، الذي تستعد الصين وكوريا الشمالية لتشغيله بعد سنوات طويلة من الانتظار، فيقدم نموذجًا مختلفًا، إذ لم يكن الخلاف حول القدرة على بناء المعبر، وإنما حول توافر الظروف التي تسمح باستخدامه.
الجسر الذي يربط بين الصين وكوريا الشمالية يفتتح غدا بعد 12 عاما من التوقف
وبين هذه التجارب، تبدو المفارقة أن الجسور لا تؤدي بالضرورة الوظيفة التي شُيدت من أجلها بمجرد اكتمال بنائها، إذ قد تتحول إلى حدود أو أدوات تفاوض أو رموز للمصالحة، بحسب طبيعة العلاقات بين الأطراف التي تصل بينها.
فالهندسة تستطيع أن تبني طريقًا بين ضفتين، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن أن يكون الطريق مفتوحًا أمام البشر.
- مقتل 7 وإصابة 10 آخرين إثر هجوم روسي على زابوريجيا
- في رسالة إلى بوتين، كيم يشيد بالعلاقات "غير المسبوقة" مع روسيا
- السودان: الحرب دمرت 70% من المنشآت النفطية والإنتاج تراجع لـ30 ألف برميل يومياً
- تراجع واردات الصين يكبح النفط دون 100 دولار منذ الحرب
- الرئيس الصينى لزعيم كوريا الشمالية: بكين لن تتراجع عن دعم بيونجيانج






