بقلم: أ.د. مرزوق يوسف الغنيم
تُعدّ اللغة من أهم الأدوات التي يمتلكها الإنسان لفهم العالم وتفسير ظواهره ونقل معارفه وخبراته من جيل إلى آخر. وهي، إلى جانب وظيفتها التواصلية، وعاءٌ للفكر، وأداةٌ لبناء المفاهيم، ووسيلةٌ لتنظيم المعرفة وتداولها في المجتمع.
وكلما اتسعت قدرة اللغة على استيعاب المفاهيم الجديدة والتعبير عن التطورات العلمية والتقنية، ازدادت قدرتها على الإسهام في النهضة الفكرية والحضارية، وتعززت مكانة المجتمع الذي يستخدمها في إنتاج المعرفة وتوظيفها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التعريب باعتباره مجرد عملية لغوية تقتصر على نقل الكلمات والمصطلحات الأجنبية إلى العربية، بل ينبغي فهمه بوصفه مشروعًا علميًا وثقافيًا وتعليميًا متكاملًا، يستهدف تمكين اللغة العربية من أداء وظائفها في مختلف مجالات الحياة المعاصرة، وفي مقدمتها التعليم والبحث العلمي والطب والصحة والتكنولوجيا.
فالتعريب، بمفهومه الواسع، يتصل بقدرة المجتمع على استيعاب المعرفة العالمية، وإعادة صياغتها في لغته، وتيسير تداولها بين أفراده، ثم الإسهام في تطويرها وإنتاج معرفة جديدة انطلاقًا من احتياجاته وواقعه الحضاري. وتزداد أهمية هذا الموضوع في عصر تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، وتتضاعف فيه أحجام المعلومات والمكتشفات، وتتداخل فيه التخصصات وتتجاوز فيه المعرفة الحدود الجغرافية والثقافية.
ففي هذا السياق، لا يكفي أن تكون اللغة قادرة على نقل التراث أو التعبير عن التجارب الإنسانية المألوفة؛ بل يتعين أن تمتلك من المرونة والقدرة الاشتقاقية والدقة الاصطلاحية ما يؤهلها للتعامل مع المفاهيم العلمية المستجدة، وأن تتوافر لها مؤسسات علمية ولغوية قادرة على مواكبة التطور وتوحيد المصطلحات وتحديث المعاجم والمراجع.
ولقد أثبت التاريخ أن ازدهار اللغات العلمية لم يكن منفصلًا عن حركة الترجمة والتفاعل بين الحضارات. فاللغة التي تنفتح على منجزات الآخرين، وتستوعب علومهم، وتعيد تنظيمها وفق بنيتها الفكرية واللغوية، تستطيع أن تتحول إلى أداة فاعلة في بناء المعرفة.
ومن هنا، فإن التعريب لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انغلاقًا لغويًا أو رفضًا للغات الأخرى، وإنما باعتباره أحد أشكال المشاركة في الحضارة الإنسانية، ووسيلةً لتوسيع قاعدة المستفيدين من المعرفة، مع الحفاظ على إمكان التواصل المباشر مع مصادرها الأصلية.
وانطلاقاً من هذه الأهمية التاريخية والمعرفية للتعريب، تبرز الحاجة إلى تناول هذا الموضوع من جوانبه المتكاملة، بدءاً بتحديد مفهومه وأبعاده، مروراً باستعراض تطوره التاريخي ومسوغاته العلمية والحضارية، وانتهاءً بالتعريف بمراكزه ومؤسساته ودورها في تطوير المصطلحات وتوحيدها، وذلك بهدف تكوين رؤية شاملة لطبيعة التعريب، وأهدافه، ومتطلبات النهوض به في العصر الحديث.
ولمزيد من التفاصيل:






