شافعي سلامة
شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة حقيقية في مفهوم الشيخوخة، حيث تغيرت طريقة التعامل مع هذه المرحلة من العمر وكيفية الاستفادة من جوهر الطب الحديث في رفع جودة الحياة خلالها عبر الحفاظ على الصحة والبهجة.
هذه هي فحوى مؤلَّف جديد تحت عنوان «من السبعين إلى الخمسين» للأستاذ الدكتور مرزوق يوسف الغنيم، صدر عن المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية، وراجعه المركز ضمن سلسلة الثقافة الصحية.
وهذه الثورة، كما يوضح المؤلِّف، تتلخص في تحول التركيز من زيادة عدد سنوات الحياة فقط إلى الاهتمام الأكبر بكيفية جعل هذه السنوات مليئة بالصحة والاستقلالية والبهجة، وأن نكون على يقين بأن الهدف ليس إضافة سنوات إلى الحياة فقط، بل أن نضيف حياة إلى السنوات. فقد انتقل الطب الحديث من علاج الأمراض فقط إلى الوقاية منها، ومن الاهتمام بالمرض إلى الاهتمام بجسم الإنسان وعقله ومشاعره وعلاقاته ودوره في المجتمع.
وأوضح المؤلف أن الدماغ يمتلك قدرات كبيرة على التكيف والتعلم برغم زيادة العمر، وهذا ما أثبتته الدراسات العلمية الحديثة، حيث أكدت تلك الدراسات أن التعلم المستمر والقراءة والتفاعل الاجتماعي وممارسة الأنشطة الذهنية تعد عوامل مساعدة للحفاظ على النشاط العقلي، كما أثبتت أن الحركة لم تعد وسيلة لتحريك العضلات فقط، بل هي رسالة يرسلها العقل إلى الجسم يخبره فيها بأنه ما زال قادرا على العطاء والمشاركة.
كما ألقى الضوء على ضرورة أن تتغير الصورة النمطية المرتبطة بكبار السن، فالضعف لا يمكن ربطه بتقدم السن، وتجاعيد الوجه لا تعني فقدان الحيوية، فكثير من الأشخاص يزدادون نضجا وإبداعا مع مرور الزمن، ودلل على ذلك باستمرار كثير من العلماء والمفكرين والأطباء وأصحاب التجارب الإنسانية العظيمة في العطاء إلى مراحل متقدمة من العمر، وذلك لأنهم حافظوا على الاستمرار والرغبة في التعلم والإيمان بقيمة وجودهم.
وقد ركز أ.د.مرزوق يوسف الغنيم على عدد من المشكلات التي تؤرق من تقدم في السن بالقول إننا نأكل ما يعلن عنه لا ما يغذينا، وننام قليلا ونقلق كثيرا ونبتعد عن أحبائنا ونغرق في شاشات تضيء وجوهنا ولكنها تظلم أرواحنا، ليؤكد بعدها أن الشيخوخة المبكرة ليست مجرد تغيرات في الجسم، إنها جرح في القلب وإرهاق في النفس وفقدان تدريجي للشعور بالحيوية التي كانت تجعل الحياة مغامرة لا مجرد روتين.
لكنه يستدرك بأنه على الرغم مما نرتكبه من أخطاء في حق أجسامنا وأنفسنا فما يزال هناك أمل، مؤكدا أن «من السبعين إلى الخمسين» ليس دليلا طبيا، بل دعوة لاستعادة شبابنا الداخلي، ليس فقط لنعيش أطول، بل لنشعر أننا شباب أكثر.
وهكذا يتطرق المؤلف إلى هذه المسألة عبر فصول الكتاب الأحد عشر، فيتساءل في الأول «لماذا نشيخ قبل أواننا؟» ليجيب عن ذلك بأن التوتر النفسي المستمر من أهم الأسباب التي تسرع الشيخوخة، ويوضح أن الهرمونات هي المحرك الأساسي للحالة النفسية. كما يذكر أن قلة الحركة والجلوس لمدة طويلة وسوء التغذية وقلة النوم عوامل تؤدي إلى ضعف الجسم ووهنه، ويذكر آراء عدد من الأطباء القدامى والمحدثين من الشرق والغرب في كيفية التعامل مع هذه المعضلات.
يتحدث الفصل الثاني عن معنى الشيخوخة وكيف تغير، والدعوات إلى تغيير النظرة السلبية إليها، ودور الطب والتقدم العلمي والدراسات الاجتماعية في إعادة تعريفها، حتى تصبح مرادفا للاستمرارية في العطاء الفكري والروحي، بينما يتناول الفصل الثالث جودة الحياة ومتوسط العمر ليربط، مستدلا بآراء علماء وباحثين ومنظمة الصحة العالمية، بين الاستمتاع خلال هذه المرحلة وتحسين جودة الحياة، وهو ما يرتبط بعوامل كثيرة منها الرضا والروابط الاجتماعية القوية.
الشيخوخة البيولوجية والزمنية هما موضوع الفصل الرابع الذي يؤكد أن العمر الزمني لا يمكن إيقافه، بينما نستطيع التحكم بالعمر البيولوجي عن طريق النشاط والعادات السليمة.
وبينما يكشف الفصل الخامس عن سر الشباب المتأخر، يتحدث السادس عن التغذية ودورها في إبطاء مظاهر الشيخوخة، فيما يتناول الفصل السابع دور الدماغ في تواصل التعلم، ويركز الثامن على العلاقات الاجتماعية وكيف أن هذه الروابط ليست مجرد رفاهية، بل هي عامل مهم في الصحة الجسمية والنفسية، خاصة مع التقدم في العمر.
يتحدث الكتاب في فصله التاسع عن «سوق العمل والسبعينيون الجدد» وكيف يشارك من وصل إلى هذه السن في سوق العمل والحياة العامة في كثير من الدول. أما الفصل العاشر فيتناول عددا من التحديات التي تواجه الشيخوخة نظمها تحت 5 فئات، بينما ركز الفصل الحادي عشر على تحويل فكرة «من السبعين إلى الخمسين» من شعار جذاب إلى واقع معيش، وعدد مجموعة من العناصر الأساسية لتحقيق هذا الهدف.
جاء الكتاب مُطعَّما بآراء مجموعة كبيرة من الأطباء والباحثين والعلماء من مختلف عصور العلم وأماكن ازدهاره، وكذلك عدد من المراجع العربية والأجنبية التي أثرت ما ورد به من معلومات طبية وعلمية واجتماعية.
«من السبعين إلى الخمسين» يعكس «ثورة الشيخوخة»: كيف نضيف حياة لسنوات العمر ونطبق الطب الحديث؟
«من السبعين إلى الخمسين» يعكس «ثورة الشيخوخة»: كيف نضيف حياة لسنوات العمر ونطبق الطب الحديث؟
إقرأ أيضاً






