واشنطن وإعادة أخطاء التاريخ والزلزال المرتقب

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
واشنطن وإعادة أخطاء التاريخ والزلزال المرتقب, اليوم السبت 20 يونيو 2026 08:33 مساءً

المنطقة تتشكل من جديد. الخرائط مرعوبة، خصوصا التي نزفت وعانت من الجراح. الحدود لا معنى لها ولا جدوى منها، هي حبر على ورق ببعض الحالات. أصناف الشرور قفزت عليها، كالطائفية والمذهبية؛ والكراهية.

حينما تفاخرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل سنوات، بوضع يدها على أربع عواصم عربية؛ كان تجسيدا لانتهاك سيادة الدول، واستقلالها وكينونتها.

تجول قاسم سليماني قائد فيلق القدس بحرية مطلقة في بغداد، ومنها إلى بيروت ودمشق، وصنعاء، ووقف العالم متفرجا. بعد أن نفذ أجندته المتطرفة، قتلته طائرة أمريكية دون طيار، أدارتها مجندة تابعة لسلاح الجو الأمريكي من إحدى القواعد العسكرية. ولم تنته استراتيجية إيران، رغم تغير قواعد اللعبة.

في يونيو عام 2015 قدمت واشنطن قبلة حياة لطهران بتوقيع اتفاق (5+1). كسبت الجمهورية كل شيء، ولم تجن الدول الموقعة على الاتفاق أي شيء.

يبدو أن الماضي يتجه لإعادة نفسه. دونالد ترامب يعتزم التوقيع على مذكرة تفاهم بمضامينها أسوأ من الاتفاقية التي مزقها سابقا. بنودهما تتشابه إلى حد كبير.

فبينما وصفها ترامب بالرائعة، عملت الآلة الإعلامية الإيرانية على تصوير الأمر بأنه نتيجة تفوقها العسكري، وتقهقر أو هزيمة سياسية أمريكية، لشحذ همم أكبر قدر من قواعدها الشعبية على المستويين الداخلي والإقليمي.

أتصور أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية؛ يجوز وصفها بالبعيدة عن العبقرية، والقريبة من الاستسلام. لأنها لم تراع متطلبات أمن الأصدقاء، وما ينتظرونه وما يأملون. هذا ما يتعلق ببعدها عن الحصافة والعقلانية التي لا تضعها بخانة الإنجاز العظيم.

ما يرتبط بالاستسلام، فهذا ما يشي به إعطاء إيران أكبر من حاجتها وطموحاتها، من الحصول على الأموال المجمدة - شريطة استلام نصفها قبل التوقيع، بمعنى ادفع أولا حتى نتفاوض -، وصولا لرفع العقوبات الاقتصادية عنها.

ناهيك عن اكتفاء الجانب الأمريكي بنقاش ملف تخصيب اليورانيوم، وذا له عودة لطاولة المفاوضات، باعتباره لم يحسم بعد. بالإضافة لفتح مضيق هرمز؛ الذي نجحت الجمهورية الإسلامية بتوظيفه بخبث ودهاء كورقة سياسية، وهي في الأصل لا تملك حق إدارته أو التحكم به.

برأيي هناك أخطاء استراتيجية، تنسف أسباب الحرب التي قامت بها أمريكا، وأكد رئيسها نيته وعزمه القضاء على النظام بأكمله. مثل ماذا؟ أولا: طالما أن طرفا يملك التفوق العسكري والتأييد الدولي، يسارع لتقديم تنازلات دون ثمن، سيعود على قضيته بالضعف، وعلى الجهة المقابلة «الجانب الإيراني» بزخم واسع، بعد انكسار صورته، بقتل رموز وقادة الصف الأول.

ثانيا: تهيئة الفرصة لطهران للتباهي بالانتصار؛ بعيدا عن كونه مزيفا. ثالثا - وهذا خطير -: إعطاؤها الوصاية على جبهة لبنان، التي تشترط إيقاف الحرب ضدها، وتقصد مواجهة حزب الله. وذلك له سلبيات عديدة. ما هي؟ إضفاء الشرعية على الميليشيات، والاعتراف بأنها عنصر فاعل في ملفات وصراعات المنطقة. ثم عرقلة جهود الدولة اللبنانية، بعزل الحزب عن سلاحه غير القانوني.

رابعا: تمهيد الطريق وتعبيده لنمو أذرعة إيران في المنطقة. فعدم اشتراط التوقف عن تمويل تلك الأذرعة الإرهابية، سيمنح الحرس الثوري مزيدا من النفوذ والتوغل والقوة، وسيعطيه مساحة كبرى لدعمها المطلق، ويعيد مفهوم المقاومة ومحور الممانعة ووحدة الساحات للواجهة من جديد، أشرس من ذي قبل.

مثير للاستغراب أن يقول ترامب مؤخرا «التفاهم مع إيران سيسهم في تحقيق السلام بالمنطقة، بما فيها لبنان».

الأسئلة الجوهرية مشروعة الطرح: ماذا عن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة؟ كيف سيحدث السلام بظل بقاء سلاح وكلاء إيران سائبا؛ بدول لا تملك قرار نزعه والتحكم به؟ ألم تثبت الهجمات الأخيرة من قبل الحشد الشعبي العراقي ضد السعودية ودول الخليج، بأن الميليشيات التي تغذيها إيران، أهم أدوات زعزعة الأمن وخلط الأوراق؟ لو كان حزب الله أو الحشد الشعبي، على الحدود الأمريكية؛ ما رد الفعل؟ الجواب بزعمي، سيقود للعودة لمشهد اقتحام عاصمة فنزويلا، واقتياد رئيسها من غرفة نومه، لأنه شكل خطرا على أمريكا.

إن التخبطات السياسية التي تسعى من خلالها إدارة ترامب لتبييض صفحتها الداخلية، وانتهاج تجاهل أمن وسلامة الحلفاء ودول الاعتدال في هذا الإقليم الهام، وخضوعها لشروط إيران دون أي مكاسب تذكر، سيكون لها الأثر الكبير على تضائل نفوذها في الشرق الأوسط، وخسارة الحلفاء الأوفياء.

ظنت الإدارة الأمريكية بمساندة تل أبيب «التي بالمناسبة تلتزم الصمت وتعيش حالة من الغضب»؛ أنها بتوجيه ضربات موجعة، ستبني نظاما إيرانيا يتواكب مع العالم. الحقيقة لقد خسرت الرهان، وباتت تعاني من تضائل هيبتها الدولية.

لم يفهم سيد البيت الأبيض وطاقم مستشاريه، أن تركيبة ولاية الفقيه عميقة الجذور، ويستحيل أن تتخلى عن قواعدها التي قامت عليها، لا بالقصف، ولا الحصار، ولا بالحديد والنار، من البحر أو السماء.

المسارعة للتوقيع على تفاهم، من شأنه علاج نتائج الأزمة، لكنه لم ولن ينهي أسبابها التي ساقها مبررا لحربه.

لقد وقع بفخ الـ14 بندا، 14 مرة. سيعيد أخطاء التاريخ؛ ويهيئ العالم.. لزلزال مرتقب.

أخبار ذات صلة

0 تعليق