نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أربعة مخاوف تحاصر الشيخوخة.. وشيشرون يفك الحصار, اليوم الاثنين 6 يوليو 2026 07:53 صباحاً
افتتاح الجلسة
قبل نحو 2400 عام، وقف الشاعر الإغريقي سوفوكليس أمام محكمة أثينا، بعدما رفع أبناؤه دعوى للحجر عليه بحجة أن الشيخوخة أفسدت عقله، طمعا في ماله. لم يدافع الشيخ التسعيني بالكلام، بل أخرج مسرحيته التي كان يكتبها لتوه «أوديب في كولونوس»، وقرأ على القضاة من عذب سطورها ثم سأل «هل يبدو هذا عمل رجل خرف؟». فحكمت المحكمة ببراءته، وخرج الأبناء مدانين بسوء الظن.
هذه المحاكمة الحقيقية استشهد بها شيشرون في رسالته «في الشيخوخة»، وكأنه يقول لنا: إن الشيخوخة نفسها ما زالت تساق إلى المحاكم كل يوم؛ في مجالسنا، وأحاديثنا، ونظراتنا القلقة إلى المرآة. فلنعقد لها اليوم جلسة عادلة. المتهمة: الشيخوخة. المدعي: مخاوف البشر. المحامي: شيشرون، وقد انتدب للمرافعة شيخ في الرابعة والثمانين يدعى «كاتو». ولائحة الاتهام أربعة بنود.
التهمة الأولى: أنها تقصي الإنسان عن العمل والحياة النشطة
ينهض الدفاع: هذه تهمة تخلط بين أدوات العطاء وجوهره؛ فالمجتمعات لا تدار بالعضلات، بل بالعقل والخبرة وسداد الرأي. صحيح أن الشيخ لا يخوض المعارك ولا يحمل الأثقال، لكن السفينة أصلا لا يقودها من يتسلق الصواري، بل القبطان الهادئ الممسك بالدفة. فالعطاء لا يتقاعد، وإنما يغير أدواته: من قوة الساعد إلى نفاذ البصيرة.
التهمة الثانية: أنها توهن الجسد
يبتسم الدفاع: وهل يحتاج العاقل إلى قوة المصارعين أصلا؟ الضعف سنة الحياة، لكن إبطاءه ممكن بالاعتدال في الطعام والشراب والرياضة الخفيفة. ثم يرفع صوته: أما الكنز الذي لا تطاله هذه التهمة فهو العقل؛ إنه كالعضلة: إن أهملته ضمر، وإن غذيته بالتعلم والقراءة بقي شابا مهما تجعد الوجه. وها هو موكلي «كاتو» تعلم اليونانية بعد الثمانين. فالشيخوخة الحقيقية ليست تجاعيد الجلد، بل خمول العقل.
التهمة الثالثة: أنها تحرم صاحبها من المتع والشهوات
هنا يقلب الدفاع الطاولة: سادتي القضاة، هذه ليست تهمة بل وسام شرف! فالشباب كثيرا ما يكونون عبيدا لشهواتهم؛ تسوقهم إلى التهور وتستنزفهم في لذات سريعة الزوال. والشيخوخة لا تسلب المتعة، بل تفك القيد وتعتق صاحبها، ثم تفتح له بابا لمتع أرقى وأبقى: صداقة صافية لا تطلب مقابلا، وتأمل هادئ، وسكينة لا يعرفها المتعجلون. إنها تسكت صخب الرغبات ليعلو أخيرا صوت المعنى.
التهمة الرابعة: أنها تدني صاحبها من الموت
يهدأ صوت الدفاع، فهذه أثقل التهم على القلوب: الموت لا يستأذن الأعمار؛ فالشاب قد يخطف في ريعانه، بينما الشيخ عاش حياة طويلة تستحق الامتنان لا السخط. ثم إن الموت أحد أمرين: إما نهاية لا ألم فيها نخافه، وإما انتقال روح إلى حياة أفضل فذاك ما نستبشر به. والشيخوخة الصالحة ثمرة ناضجة تسقط بهدوء من الشجرة؛ لا تنتزع انتزاعا، بل تكتمل ثم تسلم نفسها بسلام.
وقبل إغلاق باب المرافعات، يتقدم شاهد أخير وهو المؤمن. لا يحمل حججا جديدة، بل قلبا مطمئنا. يقول: الموت في عيني رحلة عودة لا رحلة ضياع: عودة إلى رب كريم قضيت العمر أتقرب إليه، ولمة شمل بأرواح غالية فرقتها الدنيا وسيجمعها الملتقى. ومن كان الشوق زاده، لم يعد للخوف في قلبه مقعد.
النطق بالحكم
بعد المداولة، قضت محكمة التاريخ ببراءة الشيخوخة مما نسب إليها، وإدانة نظرتنا القاصرة، وألزمت كل واحد منا بأن يبدأ صناعة شيخوخته الجميلة من اليوم: عقل يتعلم، وجسد يصان بالاعتدال، وروح تتزود للقاء ربها؛ فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال «من طال عمره وحسن عمله». ورفعت الجلسة على حكمة أخيرة: أنت لا تكبر.. أنت تنضج؛ والثمرة الناضجة لا تخاف من موسم القطاف.

















0 تعليق