- 5 آلاف وحدة في أول 3 فرص لبرنامج المطور العقاري وتأهيل 22 تحالفاً
- 170 ألف وحدة سكنية تستهدفها الجهود الحكومية خلال السنوات العشر المقبلة
طارق عرابي
في أحد مواقع المدن السكنية الجديدة بالكويت، وتحديدا في مدينة المطلاع، لا يبدأ «بيت العمر» من باب خشبي أو غرفة معيشة أو مطبخ اختارته الأسرة بعناية، فالبداية الحقيقية أبعد بكثير: أرض تجهز، وشبكات كهرباء ومياه تمد، وطرق تشق، ومخططات تراجع، وتمويل يرتب، وشركات تتنافس على التنفيذ.
ومنذ اللحظة التي تتحرك فيها أول آلية في الموقع، تبدأ معها سلسلة اقتصادية طويلة: مقاول يحتاج إلى مواد بناء، ومكتب هندسي يراجع التصاميم، وبنك يدرس التمويل، وشركة تأمين تغطي المخاطر، ومورد يجهز المعدات، ثم تأتي لاحقا متاجر الأثاث والأجهزة الكهربائية والمطابخ والتكييف والأنظمة الذكية.
وهكذا، فإن «بيت العمر» الذي يراه المواطن في النهاية مسكنا لأسرته، تراه السوق قبل ذلك دورة اقتصادية كاملة تتحرك حول مشروع واحد. وهذه هي الزاوية الجديدة التي يتجه إليها الملف الإسكاني في الكويت، فلم تعد القضية محصورة في زيادة عدد القسائم فقط، بل في إعادة بناء منظومة توفير السكن نفسها، من التمويل إلى التطوير والتنفيذ والخدمات، مع فتح مساحة أكبر للقطاع الخاص والاستفادة من الخبرات المحلية والعالمية.
القسيمة لم تعد وحدها في الصورة
أحدث حلقات هذا التحول جاءت في 22 سبتمبر 2026، عندما أقر مجلس الوزراء مشروع المرسوم بقانون بشأن التمويل العقاري لمستحقي الرعاية السكنية، ويضم المشروع 15 مادة، ويشمل التمويل لأغراض شراء وحدة سكنية من المطور العقاري أو بناء القسيمة الحكومية المخصصة من المؤسسة العامة للرعاية السكنية وفق الضوابط المقررة، كما يتيح الجمع بين التمويل العقاري المدعوم وغير المدعوم وفق الإجراءات التي يضعها بنك الكويت المركزي.
وهنا تتغير المعادلة، فبدلا من أن تبقى رحلة المواطن مرتبطة بمسار تمويلي واحد، تدخل أدوات إضافية إلى المنظومة، بما يدعم تمويل المشروعات المقبلة ويمنح الملف الإسكاني مساحة أكبر للحركة.
ولا يقتصر الأثر على المواطن وحده، فدخول أدوات التمويل العقاري يعني حركة أوسع للبنوك وشركات التمويل والتأمين والتقييم العقاري والخدمات القانونية، أي أن التمويل نفسه يتحول إلى نشاط اقتصادي مرتبط مباشرة بالإسكان. لكن التمويل لا يصنع مدينة بمفرده، فالتحول الآخر جاء عبر نموذج المطور العقاري، الذي يستهدف إشراك القطاع الخاص بصورة أكبر في تنفيذ المشروعات الإسكانية، وإتاحة منتجات سكنية متنوعة بمساحات وخيارات مختلفة وفق احتياجات الأسر، وقد أتاح المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025، المعدل للقانون رقم 118 لسنة 2023، مرونة أكبر في أشكال الشركات التي تنشئها المؤسسة العامة للرعاية السكنية ورؤوس أموالها وفق طبيعة كل مشروع ودراسات الجدوى الخاصة به.
وخرج التشريع من إطار الورق إلى التنفيذ، إذ تضم أولى فرص برنامج المطور العقاري ثلاث حزم تشمل نحو 5 آلاف وحدة سكنية في المطلاع وسعد العبدالله وجابر الأحمد، وفي نهاية أغسطس 2026، أعلنت «الرعاية السكنية» تأهيل 22 تحالفا تضم 41 شركة كويتية وعالمية للمشاركة في المرحلة التالية من طرح المشروعات الثلاثة، وهنا تظهر زاوية اقتصادية مختلفة تماما: المشروع الإسكاني نفسه يتحول إلى ساحة منافسة بين مطورين وشركات ومقاولين ومكاتب استشارية وموردين، بدلا من اقتصاره على نموذج تنفيذ واحد.
مدينة قبل أن تكون بيتا
التحول الأهم ربما يكمن في أن الدولة لم تعد تنظر إلى المشروع السكني باعتباره مجموعة من المنازل فقط، فالمدينة الجديدة تحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق ومرافق وخدمات واتصالات ومساحات عامة ومدارس ورعاية صحية، وإلى منظومة قادرة على العمل بالتزامن حتى لا يحصل المواطن على المنزل بينما تنتظر الخدمات سنوات أخرى.
ومن هنا جاء تشكيل اللجنة الحكومية التنسيقية لمتابعة الخدمات المرتبطة بالمشاريع الإسكانية، بعضوية 8 جهات حكومية، بهدف توحيد الجهود وتسريع الإنجاز وتحديد الجهات المسؤولة عن تشغيل وتسلم الخدمات والمباني وفق الجداول الزمنية للمشروعات.
كما تتحرك الكويت بالتوازي في التعاون مع الصين في مجال التطوير الإسكاني، بهدف الاستفادة من الخبرات في تطوير مدن متكاملة وتسريع توفير الرعاية السكنية، فالرهان اليوم لم يعد على عدد البيوت وحده، بل على نوع المدينة التي سيعيش فيها المواطن بعد تسلمه البيت.
170 ألف بيت.. وملايين التفاصيل
وتستهدف الجهود الحكومية إنشاء نحو 170 ألف وحدة سكنية خلال السنوات العشر المقبلة موزعة على مناطق متعددة، وإذا نظر إلى الرقم من زاوية اقتصادية، فإن كل وحدة منه تمثل عشرات العقود والطلبات، من الإسمنت والحديد إلى الأبواب والنوافذ والكهرباء والتكييف، ثم الأثاث والمفروشات والأجهزة المنزلية والاتصالات والحلول الذكية.
وبذلك لا تتحرك سوق الإسكان وحدها، بل تتحرك حولها قطاعات واسعة تبدأ من المقاولات والهندسة والخدمات المالية، ولا تنتهي عند تجارة التجزئة والتكنولوجيا.
من الهيكل الأسود إلى البيت الذكي
ومع اكتمال الهيكل الأساسي، تبدأ موجة إنفاق مختلفة تماما، ينتقل صاحب المنزل إلى التشطيبات: أرضيات، وأصباغ، وجبس، ومطابخ، وأبواب، وإنارة، وتكييف، ثم أثاث وأجهزة كهربائية، وبعد ذلك تأتي طبقة جديدة لم تكن قبل سنوات جزءا أساسيا من ميزانية البيت: أنظمة التحكم الذكي، وكاميرات المراقبة، وأجهزة توفير الطاقة، والتحكم بالإضاءة والتكييف، وشبكات الإنترنت المنزلية المتقدمة، وتنسجم هذه الصورة مع توجهات الخطط التنموية نحو مدن أكثر استدامة، تعتمد المباني الخضراء والبنية التحتية الخضراء والتكنولوجيا الذكية وتحسين إدارة الأراضي والمرافق.
أي أن الرحلة التي تبدأ بأرض فضاء قد تنتهي بمنزل يستطيع صاحبه إدارة إضاءته وتكييفه وأمنه من هاتفه.
بيت العمر يحرك السوق
وهنا تظهر القيمة الاقتصادية الأوسع للملف، فالإسكان ليس قطاعا منعزلا، بل أحد أكثر الأنشطة قدرة على تشغيل سلسلة طويلة من القطاعات في وقت واحد. كل مشروع جديد يعني أعمالا للمقاولين، وطلبات على مواد البناء، ونشاطا للمكاتب الهندسية، وتمويلا من المؤسسات المالية، ثم موجة استهلاك في الأثاث والأجهزة والتكنولوجيا.
والأهم أن النموذج الجديد يحاول نقل الملف من الاعتماد على آلية واحدة إلى منظومة متعددة الأطراف: حكومة تخطط وتضع المعايير، وقطاع خاص يطور وينفذ، ومؤسسات مالية تمول، وشركات محلية وعالمية تتنافس، ومواطن يحصل في النهاية على خيارات أكثر تنوعا.
ولهذا، فإن قصة الإسكان في الكويت خلال المرحلة المقبلة لن تكتب فقط بعدد البيوت التي تسلم مفاتيحها، وإنما أيضا بحجم الاقتصاد الذي يتحرك خلف كل مفتاح، فـ«بيت العمر» يبدأ حلما لدى الأسرة، لكنه قبل أن يكتمل يكون قد مر على عشرات الأنشطة والشركات والقطاعات.. ليصبح أحد أكبر المحركات المحتملة لدورة الاقتصاد المحلي.
كل منزل يفتح عشرات الأسواق «المطور» يغير شكل الاختيار
الأثر الاقتصادي للوحدة السكنية لا ينتهي عند تكلفة البناء. فقبل التسليم تتحرك المقاولات والهندسة ومواد البناء والنقل والتأمين، وبعده تبدأ دورة جديدة من الإنفاق على المطابخ والأثاث والأجهزة الكهربائية والتكييف والإنارة والأرضيات والديكور، ثم تدخل التكنولوجيا إلى المشهد من خلال الإنترنت المنزلي وأنظمة الأمن والمراقبة والتحكم الذكي وتوفير الطاقة.
ولذلك يمكن لوحدة سكنية واحدة أن تخلق طلبا يمتد إلى عدد كبير من الأنشطة، وهو ما يجعل الإسكان من القطاعات القادرة على تحريك سلسلة واسعة من الأعمال داخل السوق المحلي.
«المطور» يغير شكل الاختيار
نموذج المطور العقاري لا يقتصر على إدخال القطاع الخاص إلى تنفيذ المشروعات، بل يفتح الباب أمام تنويع المنتج السكني نفسه. فبدلا من نموذج واحد يناسب الجميع، يمكن أن تظهر وحدات بمساحات وتصاميم وخيارات مختلفة وفق احتياجات الأسر، مع التزام المطور بالمعايير والمواصفات التي تضعها «الرعاية السكنية»، ومع تأهيل تحالفات كويتية وعالمية للمشروعات الأولى، تدخل المنافسة عاملا جديدا في معادلة الإسكان، ليس فقط في سرعة التنفيذ، وإنما في جودة التصميم والخدمات وكفاءة التشغيل، بما يجعل المواطن في نهاية المطاف أمام منتج سكني لا مجرد قسيمة.
- «المباني» تستعد لافتتاح أحـدث مشاريعها «أفنتـــــورا» في مدينـة جابر الأحمد
- شيرين عبد الوهاب تستعد لإحياء حفل غنائي ضخم
- خلاف على المال والسلطة.. صفقة جديدة تضمن استمرار سيطرة مارك زوكربيرج على ميتا
- كواليس مليئة بالبهجة.. أحمد سعد يتعاون مع خالد تاج الدين فى أغنية جديدة
- يوتيوب يغير الصفحة الرئيسية.. ميزة جديدة تتيح لك اختيار الفيديوهات التى تظهر أمامك






