في الوقت الذي تتجه فيه البنوك المركزية العالمية، إلى إعادة حساباتها بشأن أسعار الفائدة، وتترقب الأسواق العالمية مسار السياسة النقدية الأمريكية، تشهد السوق المصرية تحركات لافتة في استثمارات المحافظ داخل أدوات الدين الحكومية، بما يعكس استمرار جاذبية العائد المصري أمام شريحة من المستثمرين، لضخ الأموال الساخنة في السوق المصري.
وأظهرت بيانات التداول الأسبوعية أن المستثمرين العرب سجلوا صافي مشتريات بنحو 80.1 مليار جنيه، بما يعادل نحو 1.6 مليار دولار، في أذون الخزانة المصرية بالسوق الثانوية خلال الأسبوع الحالي، في المقابل سجل المستثمرون الأجانب صافي خروج من أذون الخزانة بنحو 15.78 مليار جنيه، أو ما يقرب من 301 مليون دولار، خلال الفترة نفسها.
وبالتالي، فإن التدفق البالغ 1.6 مليار دولار لا يمثل عودة شاملة للأموال الأجنبية إلى السوق المصرية، وإنما يعكس بصورة أساسية زيادة مشتريات المستثمرين العرب، في وقت اتخذ فيه المستثمرون الأجانب موقفا أكثر حذرا.
هل أصبحت مصر أكثر جاذبية؟
تأتي هذه التحركات في أعقاب موجة شراء قوية شهدتها أدوات الدين المصرية مطلع أكتوبر، إذ سجل المستثمرون العرب والأجانب معا صافي مشتريات بلغ نحو 74.97 مليار جنيه، بما يعادل 1.45 مليار دولار، خلال خمس جلسات، وفق بيانات تداول أدوات الدين بالبورصة المصرية.
وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة لأنها جاءت بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة، وهو ما كان يمكن أن يدفع المستثمرين إلى تفضيل الأصول الدولارية الأكثر أمانا، لكن قراءة التدفقات الأخيرة تكشف في الوقت نفسه أن جاذبية السوق المصرية لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بمستوى العائد المتاح على أدوات الدين وبالفارق بين العائد المحلي والعائد على الأصول المقومة بالدولار.
ويحافظ البنك المركزي المصري حاليا على سعر الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، بعد قرار لجنة السياسة النقدية في سبتمبر الإبقاء على معدلات العائد دون تغيير.
العائد المرتفع كلمة السر
يمثل ارتفاع العائد أحد أهم العوامل التي تجعل أدوات الدين المصرية محل اهتمام المستثمرين الباحثين عن عائد مرتفع في الأسواق الناشئة، لكن المستثمر الأجنبي لا ينظر إلى سعر الفائدة وحده، وإنما يقارن بين العائد الاسمي، وتوقعات سعر الصرف، ومخاطر السوق، والسيولة، ومسار التضخم، واتجاه السياسة النقدية عالميا.
ومن هنا، فإن استمرار التدفقات إلى أدوات الدين المصرية لا يعني بالضرورة أن المخاطر تراجعت إلى الصفر، وإنما يشير إلى أن بعض المستثمرين ما زالوا يرون أن العائد المتاح يعوض مستوى المخاطر المرتبط بالسوق المصرية.
تحسن الاحتياطيات يدعم الثقة
وتأتي عودة التدفقات في وقت تحسنت فيه مؤشرات السيولة الأجنبية لدى الاقتصاد المصري، حيث أعلن البنك المركزي المصري أمس الأربعاء، ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 57.21 مليار دولار في أغسطس، لتواصل الاحتياطيات ارتفاعها للشهر التاسع على التوالي، كما ارتفعت بنحو 5.9 مليار دولار منذ نهاية ديسمبر 2025.
ويمثل ارتفاع الاحتياطيات عنصرا مهما في تقييم المستثمرين للسوق، لأنه يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات التدفقات الأجنبية وتلبية احتياجات النقد الأجنبي، كما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 29.7 مليار دولار خلال أول سبعة أشهر من 2026، وفق بيانات البنك المركزي، وهو ما يوفر مصدرا أكثر استدامة للنقد الأجنبي مقارنة بتدفقات المحافظ قصيرة الأجل.
ورغم أهمية عودة التدفقات، فإن الأموال الساخنة تظل سلاحا ذا حدين، فدخول المستثمرين إلى أذون الخزانة يوفر تدفقات دولارية ويدعم السيولة في سوق الصرف، لكنه في الوقت نفسه يجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه التغيرات المفاجئة في أسعار الفائدة العالمية أو شهية المستثمرين للمخاطرة.
وتظهر بيانات سبتمبر هذه الحساسية بوضوح، إذ سجل المستثمرون الأجانب في أذون الخزانة بالسوق الثانوية صافي بيع بنحو 43 مليار جنيه، بما يعادل 826 مليون دولار خلال الشهر، وبالتالي فإن التدفقات القوية التي ظهرت في بداية أكتوبر لا تزال بحاجة إلى الاستمرار لفترة أطول حتى يمكن اعتبارها اتجاها مستداما وليس مجرد إعادة تمركز مؤقتة للمحافظ.
الفيدرالي يضع السوق المصرية أمام اختبار جديد
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي أظهر انقساما بين صناع السياسة بشأن مسار أسعار الفائدة، مع رؤية غالبية المشاركين أن رفعا آخر للفائدة قبل نهاية العام قد يكون مناسبا، رغم أن الأسواق تتوقع حاليًا تثبيت الفائدة في اجتماع أكتوبر مع ترقب اجتماع ديسمبر.
ويمثل هذا التطور اختبارا جديدًا لجاذبية الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، فإذا اتجه الفيدرالي إلى رفع الفائدة مجددا، فقد ترتفع جاذبية الأصول الدولارية مقارنة بأصول الأسواق الناشئة، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في أدوات الدين المصرية، أما إذا كان الرفع الأمريكي المرتقب هو زيادة أخيرة يعقبها تثبيت طويل أو عودة إلى خفض الفائدة، فقد تحصل الأسواق الناشئة على مساحة أكبر للحفاظ على تدفقاتها الاستثمارية.
هل يعود الأجانب إلى مصر؟
رغم التدفقات القوية المسجلة في بداية أكتوبر، لا تزال البيانات تشير إلى ضرورة التمييز بين عودة الأموال العربية وعودة المستثمرين الأجانب، فالأسبوع الحالي شهد دخولا عربيا بقيمة 1.6 مليار دولار إلى أذون الخزانة، لكن المستثمرين الأجانب سجلوا صافي خروج بنحو 301 مليون دولار من الأداة نفسها، فضلًا عن صافي خروج أجنبي من الأسهم المصرية.
ثلاثة عوامل تحسم جاذبية السوق
هناك ثلاثة عوامل رئيسية يمكن أن تحدد مدى قدرة مصر على الحفاظ على تدفقات المحافظ خلال الفترة المقبلة، الأول فارق العائد، كلما ظل العائد المصري جذابا مقارنة بالعائد المتاح على الأصول الأمريكية، زادت قدرة السوق على جذب المستثمر الباحث عن العائد.
أما العامل الثاني وهو استقرار سعر الصرف، الذي يمثل عنصرا حاسما للمستثمر الأجنبي، لأن ارتفاع العائد قد يفقد جاذبيته إذا صاحبه انخفاض كبير في قيمة العملة المحلية، بينما العامل الثالث وهو مسار الفيدرالي الأمريكي، لأن أي تحول مفاجئ نحو تشديد نقدي أمريكي أطول قد يعيد توجيه الأموال نحو الدولار، بينما يمكن أن يؤدي استقرار الفائدة الأمريكية لاحقا إلى دعم شهية المخاطرة تجاه الأسواق الناشئة.
- صناديق الأسهم العالمية تشهد تدفقات نقدية للأسبوع الثالث على التوالي
- الأسواق الناشئة تجذب 31 مليار دولار مع اقتراب خفض الفائدة
- هل تضع تصريحات "باول" وترقيات "فوتسي" أسواق الأسهم على طريق المكاسب القوية؟
- محافظ الأسواق الناشئة تشهد تدفقات أجنبية للشهر السابع على التوالي
- المستثمرون يراهنون على سندات الأسواق الناشئة رغم الفائدة الأمريكية المرتفعة






