تتحرك الحكومة المصرية على مسار تعزيز الأمن الغذائي ومواجهة تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، في ظل تأثير الممرات البحرية الحيوية على حركة التجارة العالمية وتكاليف نقل السلع الأساسية.
وفي هذا الإطار، طرح الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مقترحًا لإنشاء بورصة سلعية متخصصة للتعامل مع مخاطر اضطرابات الإمدادات، إلى جانب تطوير آليات لتقاسم مخاطر الشحن وتأمين وصول السلع الغذائية إلى الدول الأكثر تأثرًا بأزمة مضيق هرمز.
وجاءت التصريحات خلال مشاركة الوزير، برفقة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، في اجتماع وزاري رفيع المستوى حول الأمن الغذائي والممرات البحرية الحيوية وحلول الأزمات، عُقد في العاصمة التايلاندية بانكوك، ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026.
بورصة سلعية متخصصة لمواجهة تقلبات أسعار الغذاء
يستهدف المقترح البحث عن أدوات غير تقليدية للتعامل مع المخاطر التي تواجه تجارة السلع الغذائية، خاصة في المناطق الأكثر تأثرًا باضطرابات الممرات البحرية. وتأتي الفكرة في وقت تؤثر فيه التوترات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والخدمات اللوجستية.
وتتيح البورصات السلعية، بحسب طبيعة تنظيمها وآليات عملها، أدوات لتداول السلع أو إدارة المخاطر المرتبطة بأسعارها. لكن المقترح المطروح خلال الاجتماع يستهدف التعامل مع المخاطر الراهنة، ولم يتضمن الإعلان تفاصيل نهائية بشأن هيكل البورصة المقترحة أو موعد إنشائها أو آليات تشغيلها.
وتبرز أهمية دراسة هذه الآليات مع تعرض تجارة الغذاء لتغيرات متلاحقة في تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة. فارتفاع تكلفة نقل السلع قد ينعكس على فاتورة الاستيراد، كما يمكن أن يزيد الضغوط على الأسواق المحلية في الدول التي تعتمد على الواردات لتلبية جانب من احتياجاتها.
تأمين شحن السلع الغذائية وتقاسم المخاطر
لم يقتصر المقترح على إنشاء بورصة سلعية، إذ دعا وزير التخطيط أيضًا إلى وضع حلول لتقاسم مخاطر الشحن، بما يساعد على تأمين عمليات نقل الغذاء إلى الدول الأكثر تأثرًا بأزمة مضيق هرمز.
وتستهدف هذه الآليات الحد من المخاطر التي تواجه عمليات الشحن، من خلال البحث عن ترتيبات تساعد الأطراف المعنية على تحمل الأعباء وتوزيعها بصورة أفضل. كما يمكن أن تسهم الحلول التمويلية المناسبة في مساعدة الدول على التعامل مع الارتفاعات المفاجئة في تكاليف النقل والتأمين.
وأكد الوزير ضرورة التوسع في أدوات التمويل الميسرة، بما يدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على استيعاب الصدمات المالية الناتجة عن تقلبات أسعار السلع الأساسية.
ويعكس ذلك أهمية التعاون الدولي في التعامل مع الأزمات التي تتجاوز آثارها حدود دولة واحدة وتمتد إلى التجارة وأسواق الغذاء والطاقة.
كيف تؤثر اضطرابات الممرات البحرية على أسعار الغذاء؟
تؤثر الممرات البحرية الحيوية في حركة التجارة الدولية، لأنها تمثل مسارات رئيسية لنقل الطاقة والسلع والمواد الخام. وعندما تتعرض هذه المسارات للتوترات أو التعطلات، قد ترتفع تكاليف النقل والتأمين، أو تتأخر الشحنات، وهو ما ينعكس على تكلفة وصول المنتجات إلى الأسواق.
وتتضاعف أهمية هذه المخاطر عندما تتزامن اضطرابات الشحن مع ارتفاع أسعار الطاقة. إذ تؤدي زيادة تكاليف الوقود والنقل والخدمات اللوجستية إلى رفع أعباء استيراد السلع، وقد تنتقل بعض هذه الزيادات إلى الشركات والمستهلكين، وفقًا لظروف السوق وسلاسل التوريد.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد، وتحسين إدارة المخزونات، وتطوير أدوات التمويل والتأمين المرتبطة بالتجارة. كما يمثل التنسيق بين الحكومات والمؤسسات المالية وشركات النقل خطوة مهمة في الحد من آثار الاضطرابات، خصوصًا بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة الأكثر تعرضًا للصدمات الخارجية.
التمويل الميسر أداة لدعم الاقتصادات الناشئة
أكد وزير التخطيط أن الاقتصادات الناشئة تحتاج إلى حلول تمويلية تساعدها على مواجهة التقلبات في أسعار السلع الأساسية، دون أن تتحول الصدمات الخارجية إلى ضغوط مالية يصعب احتواؤها.
ويمكن أن يساهم التمويل الميسر في توفير الموارد اللازمة لعمليات الاستيراد وتغطية الاحتياجات الأساسية، مع مراعاة قدرة الدول على تحمل الأعباء المالية.
كما تتيح آليات تقاسم المخاطر توزيع بعض الالتزامات بين الجهات المشاركة في التمويل والشحن، بدلًا من تركيزها على طرف واحد.
وشهد الاجتماع مشاركة أجاي بانجا، رئيس مجموعة البنك الدولي، وأمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب مسؤولين وممثلين عن الحكومات والمؤسسات الدولية وقطاع الأعمال. وتناول الاجتماع سبل التعامل مع تداعيات التوترات الجيوسياسية على الأمن الغذائي والممرات البحرية الحيوية.
نمو الاقتصاد المصري يسجل 5.1% رغم الصدمات الخارجية
وعلى صعيد الاقتصاد المصري، أشار وزير التخطيط إلى أن الاقتصاد سجل معدل نمو بلغ 5.1% خلال العام المالي الماضي، متجاوزًا متوسط النمو المحقق خلال السنوات الخمس السابقة، رغم التحديات الإقليمية والجيوسياسية.
كما لفت إلى تحسن الوضع الخارجي للاقتصاد مع زيادة احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع الأصول الأجنبية، بما يدعم قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته. وأوضح استمرار التوقعات الإيجابية للعام المالي الجاري، في ظل متابعة التطورات الاقتصادية وتأثيراتها على الأسواق.
ويظل تأمين احتياجات الغذاء من الملفات المرتبطة باستقرار الأسواق وقدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية. ومن ثم، فإن دراسة أدوات جديدة لإدارة مخاطر الشحن والسلع قد تفتح المجال أمام حلول أكثر مرونة، إذا جرى تحديد آلياتها التمويلية والتنظيمية بصورة واضحة.
ومع ذلك، فإن إنشاء بورصة سلعية متخصصة لا يزال مقترحًا مطروحًا خلال المناقشات الدولية، ولم يُعلن عن بدء تنفيذها أو اعتماد جدول زمني لإطلاقها.
وتبقى الخطوة التالية مرتبطة بتطوير التصور المقترح، وتحديد الجهات المشاركة، وطبيعة الأدوات التي يمكن استخدامها لتأمين شحنات الغذاء وتقاسم المخاطر.






