مباشر- أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، اليوم الخميس، أنها ستتنحى عن منصبها في السابع من فبراير من العام المقبل، لتطلق رسميًا سباق اختيار خليفتها، الذي ستؤثر في مساره المساومات السياسية وأزمة المالية العامة المتفاقمة في فرنسا، بحسب "سي إن بي سي".
وتولت لاجارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في يوليو 2019، وقادت استجابته لجائحة "كوفيد-19" والحرب الروسية الأوكرانية، فضلًا عن سلسلة من صدمات أسعار الطاقة التي دفعت التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز 11% خلال عام 2022، وأسهمت في إنهاء حقبة أسعار الفائدة السلبية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية.
وستغادر لاجارد منصبها قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر 2027، فيما ستبدأ إجراءات تعيين خليفتها على الفور.
لاجارد تسعى إلى "حرية التعبير عن آرائها"
أكدت لاجارد، خلال مؤتمر صحفي اليوم الخميس عقب قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة في أكتوبر، صحة التقارير الإعلامية التي أفادت بأنها قررت تقديم موعد مغادرتها المنصب، رغبةً منها في الحصول على مساحة أكبر للتعبير عن آرائها السياسية. وستغادر قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع المقبل.
وقالت: "السبب وراء تقديم موعد انتهاء ولايتي، ومغادرتي في فبراير 2027 بدلًا من أكتوبر، هو أنني، كما أوضحت لزملائي وأعضاء فريق العمل والمحافظين، أريد التمتع بحرية الكلام والتعبير والمشاركة في مناقشة قضايا لا تتعلق بالسياسة النقدية".
وأضافت أن منصبها كرئيسة للبنك المركزي الأوروبي يفرض عليها "قيدًا" يتمثل في "الالتزام بالحياد".
وتابعت: "لا يمكننا الخروج عن هذا التفويض، لأن هذا هو الثمن الذي ندفعه مقابل استقلاليتنا. وفي الوقت الراهن، وفي ظل ما يحدث في مناطق عديدة من العالم، وليس في أوروبا وحدها، أعتقد أن صوتي يمكن أن يساعد، وكذلك أفعالي، في الدفاع عن المبادئ العزيزة على قلبي".
وأوضحت: "أحد هذه المبادئ هو أنني لا أعتقد أن بإمكاني البقاء على الحياد، ولا أعتقد أنني سأشعر بالارتياح إزاء هذا الحياد في الوقت الحالي، أنا مهتمة بالحقيقة، وأرى أنها كثيرًا ما تتعرض للتشويه والتناقض نتيجة التحريف وسوء التمثيل، وبحكم المنصب الذي شغلته على مدار أكثر من 20 عامًا من حياتي، هناك أمور يمكنني قولها، وما إذا كان الناس سيستمعون إليّ أم لا، فهذه قصة أخرى، لكنني أشعر بأنه ينبغي لي قولها، هذا كل ما في الأمر".
وأشار مراقبو الأسواق إلى أن تقديم موعد مغادرتها يسبق الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان فيها.
وقد قللت لاجارد مرارًا من التكهنات بشأن اعتزامها الترشح للانتخابات الرئاسية بنفسها، وفي حال قررت خوض السباق، فستواجه إطارًا زمنيًا ضيقًا للغاية، إذ من المقرر إجراء الجولة الأولى من التصويت في أبريل.
وقال فيليكس فيذر، الاقتصادي لدى "أبردين إنفستمنتس"، إن المغادرة المبكرة تعني أن "الرئيس الفرنسي الجديد لن يكون له أي دور في اختيار الرئيس المقبل للبنك المركزي الأوروبي، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل حالة عدم اليقين السياسي والمالي المحيطة بفرنسا".
ما الذي يبحث عنه البنك المركزي الأوروبي في خليفة لاجارد؟
يجري كبار مسؤولي البنك المركزي الأوروبي بالفعل محادثات بشأن شغل مناصب قيادية أخرى، إذ من المقرر أيضًا أن يغادر كبير الاقتصاديين فيليب لين، وعضوة المجلس التنفيذي المؤثرة، إيزابيل شنابل، المسؤولة عن عمليات الأسواق، منصبيهما خلال العام المقبل.
ويتمتع البنك المركزي الأوروبي باستقلالية مؤسسية، ويتألف مجلسه الحاكم من المجلس التنفيذي، الذي يضم ستة أعضاء، ومحافظي البنوك المركزية الوطنية في دول منطقة اليورو البالغ عددها 21 دولة.
لكن تعيين شاغلي المناصب العليا يتم بقرار من المجلس الأوروبي، بعد التشاور مع البرلمان الأوروبي ودول منطقة اليورو، فيما تعكس المفاوضات عادةً مساومات سياسية تتعلق بالتمثيل الوطني وتوزيع النفوذ.
ويُنظر على نطاق واسع إلى الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس والهولندي كلاس نوت باعتبارهما أبرز المرشحين لخلافة لاجارد، بعدما تولى كل منهما قيادة البنك المركزي في بلاده خلال السنوات الماضية.
وشغل دي كوس منصب محافظ البنك المركزي الإسباني بين عامي 2018 و2024، ويشغل حاليًا منصب المدير العام لبنك التسويات الدولية.
أما نوت، فتولى رئاسة البنك المركزي الهولندي من عام 2011 حتى عام 2025، ويعمل حاليًا زميلًا زائرًا متميزًا لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.
ويكتسب تعيين رئيس جديد أهمية كبيرة في ظل الجدل الدائر بالأسواق بشأن إمكانية لجوء البنك المركزي الأوروبي إلى إحدى آليات التدخل المتاحة لديه، في وقت تواجه فيه فرنسا أزمة متفاقمة تتعلق بديونها السيادية.
كما تضيف الانتخابات الرئاسية الفرنسية مزيدًا من الضبابية، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الفرنسية واتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية، التي تُعد معيارًا مرجعيًا في منطقة اليورو، إلى أعلى مستوياته منذ أزمة الديون السيادية التي شهدتها المنطقة في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي.
وقال هولجر شميدينج، كبير الاقتصاديين لدى "بيرينبرج"، إن البنك المركزي الأوروبي سيحتاج، نتيجة لذلك، إلى دراسة المرشح الأقدر على التعامل مع الاضطرابات المالية المحتملة.
وأضاف شميدينج في مذكرة بحثية: "بصفته رئيسًا سابقًا لمجلس الاستقرار المالي التابع لمجموعة العشرين، قد يتمتع نوت بأفضلية في هذا الصدد".
وتابع: "يحاول الاتحاد الأوروبي حماية نفسه، ولو جزئيًا، من خطر فوز مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، بالانتخابات الرئاسية الفرنسية".
وأضاف: "لكن البنك المركزي الأوروبي ليس لديه تفويض ولا رغبة في تمويل السياسات المالية الفرنسية غير المنضبطة. ونرى أن البنك لن يدعم فرنسا إلا إذا عادت باريس إلى اتباع سياسات أكثر استدامة".
هل يعني تعيين نوت توجهًا أكثر تشددًا؟
يُنظر إلى نوت على نطاق واسع باعتباره المرشح الأكثر تشددًا في السياسة النقدية مقارنة بدي كوس، إذ سبق أن حذر من أن البنك المركزي الأوروبي خاطر باتخاذ إجراءات غير كافية خلال موجة ارتفاع التضخم في السنوات الأخيرة، كما أشار إلى إمكانية اللجوء إلى زيادات كبيرة في أسعار الفائدة.
وقال بيير روك، المسؤول عن أسواق رأس المال العالمية لدى "فاليدوس لإدارة المخاطر"، إن تعيين نوت "سيُفسر على الأرجح باعتباره إشارة إلى توجه أكثر تشددًا، وقد يدعم اليورو، إلا أن هذا النهج الأكثر صرامة قد يزيد أيضًا الضغوط على فروق عوائد السندات الفرنسية وسندات الدول الأخرى في أطراف منطقة اليورو".
وأضاف: "أما تعيين دي كوس، فسيشير إلى استمرار النهج الحالي، مع تركيز أكبر على الاستقرار المالي، وفي ظل الضغوط التي تواجه الديون الفرنسية واستمرار التضخم فوق المستهدف، فمن المرجح أن تتقبل أسواق أسعار الفائدة تعيين دي كوس بقدر أكبر من الارتياح".
ومن جانبه، قال كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي للاقتصاد الكلي لدى "آي إن جي"، اليوم الخميس، إن الجنسية ستكون عاملًا آخر مؤثرًا في عملية الاختيار.
وأضاف: "في حين قد يحظى نوت بدعم أكبر من حكومات شمال أوروبا، يبقى السؤال ما إذا كانت الحكومة الإسبانية الحالية ستدعم دي كوس".
وتابع: "في كل الأحوال، يتمتع المرشحان بخبرة واسعة في السياسة النقدية، وهي خبرة اضطرت كريستين لاجارد إلى اكتسابها بعد توليها المنصب بالفعل".
- المركزي الأوروبي يثبت الفائدة وسط ضغوط الطاقة ورحيل لاجارد المرتقب
- لاجارد: المركزي الأوروبي سيخفض الفائدة قريباً
- لاجارد: المركزي الأوروبي يجب أن يتجنب الحفض السريع للفائدة
- كريستين لاجارد تتنحى عن رئاسة المركزى الأوروبى اعتبارا من 7 فبراير
- ارتفاع معدل التضخم في دول منطقة اليورو، هل يضطر المركزي الأوروبي لرفع الفائدة؟






