أصدر المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية دراسة حديثة بعنوان "حرب أكتوبر والاقتصاد العالمي.. كيف استجابت الأسواق الدولية لأكبر صدمة جيوسياسية في السبعينيات؟"، تناولت التداعيات الاقتصادية العالمية لحرب أكتوبر 1973، وكيف انتقلت آثار الحرب من جبهتي القتال المصرية والسورية إلى أسواق الطاقة والمال والاقتصادات الصناعية، في ظل ظروف اقتصادية دولية مضطربة سبقت اندلاع الحرب.
موجة تضخم متصاعدة قبل حرب أكتوبر
وأوضحت الدراسة أن الأسواق العالمية كانت تعاني قبل أكتوبر 1973 من موجة تضخم متصاعدة، وتراجع قوة الدولار مع تفكك نظام بريتون وودز، إلى جانب محدودية القدرة على زيادة إمدادات النفط، وتصاعد الخلاف بين الحكومات المنتجة وشركات النفط الدولية بشأن الأسعار والعوائد.
وأشارت الدراسة إلى أن الحرب نقلت استخدام النفط من مجرد خيار مطروح للضغط السياسي إلى إجراءات فعلية، بعدما بدأت الدول العربية المنتجة في خفض الإنتاج وفرض حظر نفطي على دول بعينها، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخام.
زيادة 70% الأوبك ترفع سعر النفط الخام
وبحسب الدراسة، رفعت الدول الخليجية الست الأعضاء في أوبك، في 16 أكتوبر 1973، السعر المعلن للخام العربي من 3.01 إلى 5.12 دولارات للبرميل، بزيادة تقارب 70%، بعد تعثر المفاوضات مع الشركات، موضحة أن السعر المعلن كان مرجعًا للضرائب وليس سعر البيع الفعلي.
وفي 17 أكتوبر، أقر وزراء النفط العرب خفض الإنتاج بنسبة لا تقل عن 5%، مع تخفيضات شهرية لاحقة، بينما اتخذ الحظر النفطي مسارًا منفصلًا استهدف دولًا بعينها، من بينها الولايات المتحدة وهولندا والبرتغال وجنوب أفريقيا.
ولفتت الدراسة إلى أن المعروض العربي انخفض من نحو 20.8 مليون برميل يوميًا في أوائل أكتوبر إلى نحو 15.8 مليون برميل في ديسمبر 1973، بنسبة تقارب 24%، فيما قدرت وكالة الطاقة الدولية الخسارة الإجمالية للإمدادات في ذروة الأزمة بنحو 4.3 مليون برميل يوميًا.
وبحلول 1 يناير 1974، وصل السعر المعلن للخام العربي الخفيف إلى 11.65 دولارًا للبرميل، أي نحو 3.9 أمثال مستواه في مطلع أكتوبر، وهو ما انعكس على تكاليف النقل والصناعة والكهرباء وأسعار السلع، وأسهم في تفاقم ظاهرة الركود التضخمي في عدد من الاقتصادات.
ارتفاع فائض الحساب الجاري للدول المصدرة للنفط
وأشارت الدراسة إلى تفاوت تأثير الأزمة بين الدول، حيث ارتفع فائض الحساب الجاري للدول المصدرة للنفط، العربية وغير العربية، من نحو 7 مليارات دولار عام 1973 إلى 68 مليارًا في 1974، بينما واجهت الدول المستوردة ضغوطًا أكبر لتمويل وارداتها.
وفي مصر، تزامنت تداعيات الأزمة النفطية مع أعباء الإعداد للحرب وما خلفته سنوات إغلاق قناة السويس وتوجيه الموارد إلى الدفاع، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنحو 7% في نهاية 1973 و10% في نهاية 1974، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات بنحو 11% و15% على التوالي.
كما ارتفعت خسائر هيئة السلع التموينية من 11 مليون جنيه عام 1972 إلى 89 مليونًا في 1973 ثم 330 مليونًا في 1974، بينما اتسع عجز الموازنة من 386 إلى 653 مليون جنيه.
وفي دول الخليج، أدى ارتفاع الإيرادات النفطية إلى زيادة الإنفاق والطلب على العمالة، ونمو تحويلات العاملين إلى دول عربية، إلا أن سرعة الإنفاق تجاوزت في بعض الدول قدرة الموانئ وسوق العمل، ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم.
كما تناولت الدراسة تداعيات الأزمة على إسرائيل وإيران والدول الصناعية، موضحة أن التضخم ارتفع في إسرائيل إلى 39.7% عام 1974، بينما شهدت الولايات المتحدة ركودًا امتد من نوفمبر 1973 إلى مارس 1975، ووصلت البطالة إلى 9% في مايو 1975.
وفي بريطانيا، تزامنت أزمة الطاقة مع نزاع عمالي، بينما اتجهت فرنسا إلى تسريع برنامجها النووي، وأقدمت اليابان على ترشيد استهلاك الطاقة وتنويع مصادرها، في ظل اعتماد النفط على 75.5% من طاقتها الأولية عام 1973.
وخلصت الدراسة إلى أن آثار حرب أكتوبر الاقتصادية تجاوزت فترة الحظر وخفض الإنتاج، وأسهمت في إعادة تشكيل أسواق الطاقة عالميًا، ودفع الدول الصناعية إلى إنشاء وكالة الطاقة الدولية عام 1974، وبناء مخزونات استراتيجية وتنويع مصادر الطاقة وتحسين كفاءة استهلاكها.
وأكدت الدراسة أن قراءة النتائج الاقتصادية لحرب أكتوبر تستلزم التمييز بين الإنجاز الاستراتيجي للحرب والأعباء الاقتصادية التي واجهت مصر بعدها، خاصة ما ارتبط بالدفاع وإعادة الإعمار وارتفاع تكلفة الغذاء والمدخلات المستوردة، بما يبرز أهمية تحويل المكاسب السياسية والاستراتيجية إلى نتائج اقتصادية قابلة للاستمرار.






