تمكنت صادرات النفط الخليجي من التعافي بوتيرة أسرع مما توقّعه الكثيرون، إذ تتجه الصادرات للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب الإيرانية، ولكن يبقى مصير مضيق هرمز إحدى العقبات التي تؤرّق المشترين.
وبحسب مقال حديث اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يُعدّ استبدال بديل مماثل تمامًا بالنفط الخليجي أمرًا غير واقعي، خاصةً في حال عودة الإمدادات إلى تدفّقها الطبيعي.
وأشارت كاتبة المقال، أليس غاور، إلى التحدي الذي يقع على عاتق منتجي الخليج، إذ يتعين عليهم إثبات قدرتهم على جعل اعتماد المشترين على صادرات المنطقة جذابًا بما يكفي مرة أخرى.
ورغم تزايد الإمدادات من خارج منطقة الخليج، فإن "غاور" أكدت أن هذا الأمر لا يعني إمكان استبدال النفط الخليجي بسهولة.
تعافي صادرات النفط الخليجي
أوضحت كاتبة المقال، أليس غاور، أن تعافي أحجام صادرات النفط الخليجي لا يعني بالضرورة استعادة الثقة، إذ صرّحت إيران بأن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه رسميًا ما لم تُلبَّ شروطها.
وذكرت غاور -وهي شريكة في شركة أزور ستراتيجي (Azure Strategy) للاستشارات الجيواقتصادية- أن الإعلان الرسمي لإعادة فتح المضيق ربما لا يكون كافيًا لإقناع المشترين الآسيويين بالعودة إلى النفط الخليجي وفق الشروط التي قبلوها سابقًا.
وأشارت إلى أن السعر لطالما كان الورقة الرابحة لدول الخليج؛ فالسعودية والإمارات ما تزالان من بين المنتجين الأقل تكلفة في العالم، كما أنهما تتمتعان بموقع جغرافي قريب من أكبر الأسواق المستهلكة في آسيا.
وتغيرَ الوضع حاليًا، إذ يُبدي بعض المشترين استعدادًا لدفع مبالغ أعلى مقابل ضمان استمرار الإمدادات، بحسب المقال الذي نشرته منصة أرابيان غلف بيزنس إنسايت (AGBI).
وتتفاوت درجات التأثر بهذه الأوضاع بشكل كبير؛ فالنفط العماني يصل إلى المحيط الهندي دون المرور عبر مضيق هرمز؛ ما يمنح السلطنة ميزة واضحة.
واستوردت كوريا الجنوبية 12.4 مليون برميل من النفط العماني في الأشهر الـ7 الأولى من العام، وهو ما يزيد على 3 أضعاف الكمية التي اشترتها (3.97 مليون برميل) خلال المدّة نفسها من عام 2025.
كما تدرس شركات التكرير في مناطق أخرى من آسيا إبرام عقود توريد طويلة الأجل وبكميات أكبر، غير أن سلطنة عمان تُعدّ مُصدِّرًا صغيرًا نسبيًا، بحسب المقال الذي اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
أمّا الإمارات العربية المتحدة -وهي منتج أكبر وتتمتع بطموحات واسعة-، فتمتلك مسارًا بديلًا جزئيًا عبر خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" الذي ينقل الخام إلى ساحل خليج عمان، إلّا أن طاقته الاستيعابية تغطي جزءًا فقط من صادرات البلاد.
وبالمثل، يتجنّب خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي مضيق هرمز، لكنه ينتهي عند مدينة ينبع على البحر الأحمر، وهي منطقة تظل فيها البنية التحتية النفطية وعمليات الشحن عرضة للهجمات، ما يقلل من مستوى اليقين لدى المشترين.

صعوبة استبدال النفط الخليجي
ترى كاتبة المقال أليس غاور أن الإمدادات المتزايدة من خارج منطقة الخليج تتيح للمشترين مجالًا أوسع لجعل التنويع سمة دائمة في إستراتيجيات الشراء لديهم.
فقد أقدم 4 مشترين رؤساء على الأقل في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان على شراء نفط أميركي للتسليم في وقت لاحق من العام، بعلاوات سعرية تتراوح بين 8 و14 دولارًا للبرميل فوق الأسعار القياسية.
كما استوردت آسيا كمية قياسية من النفط الأميركي بلغت 2.35 مليون برميل يوميًا في شهر يوليو/تموز 2026.
وارتفعت صادرات الخام من منطقة حوض المحيط الأطلسي بنحو 3.5 مليون برميل يوميًا بين شهري فبراير/شباط ومايو/أيار 2026، حيث اتجهت كميات كبيرة منها إلى شرق السويس.
ومنذ ذلك الحين، أضاف المنتجون من خارج الشرق الأوسط ما متوسطه 2.3 مليون برميل يوميًا، بما في ذلك نحو 520 ألف برميل يوميًا من الولايات المتحدة، و470 ألف برميل يوميًا من البرازيل.
ورغم أن الكميات من خارج المنطقة لا يمكنها أن تحلّ محلّ إمدادات النفط الخليجي، فإنها تمنح المشترين خيارات للتنويع، ما يضع دول المنطقة أمام تحدٍ واضح، بحسب كاتبة المقال أليس غاور.
وتشير طلبات شراء الناقلات إلى أن المُلّاك يتوقعون استمرار هذا الاتجاه؛ فقد طُلِبت 217 ناقلة نفط كبيرة جدًا في عام 2026 -مقارنةً بـ93 ناقلة طوال عام 2025- بتكلفة تتجاوز 20 مليار دولار، مع العلم أن بعضها لن يُسلَّم إلا بحلول عام 2030.
ويُعزى جانب من عمليات الشراء الإضافية هذه إلى تقادم الأسطول وارتفاع تكاليف الشحن، ورغم أن هذه الطلبات لا تعني بالضرورة توقُّع المُلّاك بقاء مضيق هرمز مغلقًا لتلك المدّة الطويلة، فإنها تعكس توظيفًا لرؤوس الأموال في عالم يتطلب نقل النفط لمسافات أطول وبكميات أكبر.
وشددت "غاور" على أنه لا يُمكن استبدال النفط الخليجي بسهولة؛ إذ ستظل المصافي المصممة لمعالجة درجات الخام الخليجية تفضّل تلك الأنواع المألوفة بمجرد عودة الإمدادات إلى مسارها الآمن، كما أن استبدال بديل مماثل تمامًا بالنفط الخليجي يُعدّ أمرًا غير واقعي.
وكتبت: "لكن القدرة والرغبة أمران مختلفان.. فالمصافي التي تدفع علاوات مقابل إمدادات موثوقة تُقدّر قيمة تقليل اعتمادها على الخليج".
وتابعت "غاور" أن التحدي أمام منتجي الخليج يكمن في إثبات قدرتهم على جعل هذا الاعتماد جذابًا بما يكفي مرة أخرى؛ إذ تُظهر العلاوات التي تتراوح بين 8 و14 دولارًا مدى استعداد بعض المشترين للدفع لتقليل اعتمادهم على مضيق هرمز.
وإذا استمرت هذه الأفضلية بعد إعادة فتح مضيق هرمز، فقد يجد منتجو الخليج أنفسهم مضطرين لتعويض المشترين عن مخاطر النقل من خلال الخصومات أو العقود طويلة الأجل أو ضمانات التسليم، كما أن استعادة الثقة ستستغرق وقتًا أطول من استعادة التدفق الفعلي للنفط، وفق ما جاء في المقال الذي اطّلعت عليه منصة عرب بريس.

تحليل لزيادة صادرات النفط الخليجي
كان مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، قد أشار إلى تزايُد صادرات النفط الخليجي خلال الأسابيع الأخيرة، خاصةً من السعودية والإمارات والعراق والكويت.
وجاء تحسُّن الإمدادات الخليجية بالتزامن مع انخفاض صادرات روسيا بنحو مليون برميل يوميًا، وفق تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، في مساحات "إكس"، بعنوان "ما تأثير زيادة السعودية لصادرات النفط الخليجي؟ وما الخيارات المتاحة أمام ترمب قبيل الانتخابات؟".
وأوضح الحجي أن هذا التغير يعني أن جزءًا من الزيادة الخليجية لم يُضف إمدادات جديدة صافية إلى السوق العالمية، بل عوّض كميات روسية فقدها المشترون، ما لم يُترجَم بعد إلى انخفاض الأسعار على نحو واسع ومستدام.
كما أشار إلى أن بعض الشحنات القادمة من الخليج وصلت إلى الولايات المتحدة بعد تغيير السفن ومسارات النقل، وفق ظروف كل شحنة.
وتشير التطورات إلى أن إعادة تشكيل تجارة النفط قد تصبح أسرع من التحول الكامل بعيدًا عن الوقود الأحفوري، لأن الدول تبحث أولًا عن إمدادات أكثر أمانًا ومسارات متعددة، قبل اتخاذ قرارات طويلة الأجل بشأن مزيج الطاقة.
وقال الدكتور أنس الحجي، إن السياسات الأميركية الحالية قد تدفع دولًا عديدة إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وهو ما يفتح الباب أمام مورّدين آخرين، ويجعل المنتجين الخليجيين أحد الخيارات المحتملة ضمن خريطة أكثر تنوعًا للمصادر خلال المدة المقبلة.
وبذلك، قد يؤدي الابتعاد عن الخليج من جهة، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى ظهور عملاء جدد أو زيادة واردات العملاء الحاليين؛ ما يعيد توزيع التجارة بدلًا من إنهائها خلال المرحلة المقبلة.
وتخلُص رؤية الحجي إلى أن أمن الإمدادات سيكون عنصرًا رئيسًا في قرارات الطاقة المقبلة، وأن تنويع المصادر والمسارات قد يحافظ على تدفقات النفط الخليجي، حتى مع استمرار التحولات في الطلب العالمي ومزيج الطاقة خلال المرحلة المقبلة.






