حذّر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية أمين الناصر من خطورة الضغوط التي تواجه إمدادات النفط الخام على مستوى العالم، في ظل اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز والهجمات التي طالت منشآت الطاقة في المنطقة، مؤكدًا أن تداعيات الأزمة تتجاوز حدود الدول المنتجة لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله.
وقال الناصر، خلال كلمته ضمن فعاليات اليوم الأول من مؤتمر البترول العالمي بالرياض، تابعته منصة الطاقة المتخصصة، إن الاضطرابات الحالية اختبرت مختلف مكونات منظومة الطاقة، مشيرًا إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المكرر يزيد من تعقيد المشهد، ويضاعف الضغوط على الأسواق والمستهلكين.
وأضاف رئيس أرامكو السعودية أن المخزونات التجارية البرية من النفط هبطت إلى أقل من 6 مليارات برميل، لتصبح في وضع لا يوفر هامش الأمان الكافي لمواجهة اضطرابات الإمدادات، لا سيما أن جزءًا كبيرًا من هذه الكميات غير متاح للاستعمال الفوري.
وأكد الناصر أن استمرار الضغوط على أسواق الطاقة يرتبط بعودة الملاحة الكاملة عبر مضيق هرمز واستعادة الثقة، محذرًا من أن إعادة ملء المخزونات بالتزامن مع تلبية الطلب العالمي على النفط قد تستغرق ما يصل إلى عامين.
مسارات جديدة لتصدير النفط
قال الناصر إن أرامكو تعمل، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، على دراسة مسارات إضافية لتصدير النفط الخام، إلى جانب توسيع قدرات التخزين خارج المملكة، بهدف تعزيز مرونة منظومة الإمدادات والحد من تأثير الاضطرابات على تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية.
وأوضح أن التعامل مع الأزمات يتطلب بناء منظومة متكاملة للمرونة، تشمل تنويع طرق التصدير، وتوفير القدرات الإنتاجية الاحتياطية، ورفع كفاءة المنشآت، والاستعانة بالتقنيات المتقدمة لتسريع عمليات الفحص والإصلاح وإعادة المرافق إلى العمل.
وشدد على أن الاعتماد على المخزونات وحدها لا يمثل حلًا دائمًا لضمان أمن الطاقة، لافتًا إلى أن الاستثمارات اللازمة لتعزيز المرونة ينبغي أن تحظى بتقدير أكبر، نظرًا إلى أن فوائدها تمتد إلى المستهلكين وقطاعات الأعمال والمستثمرين، ولا تقتصر على الشركات التي تتحمل تكاليفها.
وأشار إلى أن برنامج تعزيز القيمة المضافة الإجمالية لقطاع التوريد في المملكة "اكتفاء" أسهم في تعزيز القدرة على الاستجابة للأزمات، إذ وُرّد أكثر من 90% من المواد المستعملة في أعمال استعادة المرافق من داخل المملكة، ما ساعد على إعادة المنشآت المتضررة إلى العمل خلال ساعات وأيام بدلًا من أسابيع وأشهر.

أمن الطاقة
حذّر رئيس أرامكو السعودية من أن تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط لا تتوقف عند حدود المنطقة، بل تمتد إلى مختلف الاقتصادات، في ظل الدور المحوري الذي تؤديه المنطقة في توفير النفط والقدرات الإنتاجية الاحتياطية عالميًا.
وأوضح الناصر أن الشرق الأوسط يضم نحو نصف احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، إلى جانب أكثر من 90% من الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا، وهو ما يجعل استقرار المنطقة عنصرًا أساسيًا في أمن الإمدادات.
وقال إن الأسواق تستطيع تنويع الموردين، لكنها لا تستطيع تغيير المواقع الجغرافية، في إشارة إلى صعوبة تعويض الأهمية الإستراتيجية للمناطق الرئيسة المنتجة للطاقة عند تعرضها للاضطرابات.
وأكد أن المملكة استثمرت بصورة كبيرة في حماية إمدادات الطاقة وتعزيز موثوقيتها، لكنه شدد على أن أي دولة مهما بلغت قدراتها لا تستطيع تحمل هذه المسؤولية بمفردها، موضحًا أن حماية البنية التحتية للطاقة ومسارات الإمداد التي يعتمد عليها العالم تتطلب تضافر الجهود الدولية.
وعلى صعيد خطط النمو، كشف الناصر أن أرامكو السعودية تستهدف زيادة الطاقة الإنتاجية لغاز البيع بنحو 80% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2021، في إطار إستراتيجية تستهدف تعزيز إمدادات الغاز ودعم احتياجات الاقتصاد المحلي.
وأوضح أن شبكة الغاز الرئيسة في المملكة تؤدي دورًا حيويًا في ربط موارد الطاقة بقطاعات توليد الكهرباء وتحلية المياه والتكرير والبتروكيماويات والصناعة، مؤكدًا أن موثوقية هذه الشبكة تمثل جزءًا أساسيًا من قدرة منظومة الطاقة على مواصلة العمل في الظروف الاستثنائية.
وأضاف أن التوسع في الغاز يتكامل مع خطط المملكة لتطوير الطاقة المتجددة، إذ يستهدف البرنامج الوطني للطاقة المتجددة تسريع مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يدعم طموح المملكة إلى تحقيق مزيج لتوليد الكهرباء يعتمد مناصفةً على الغاز ومصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
وأشار الناصر إلى أن أرامكو السعودية تستكشف أيضًا فرصًا في مجالات الهيدروجين، واحتجاز الكربون واستعماله وتخزينه، إلى جانب تقنيات الكربون الدائري والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
مؤتمر البترول العالمي
أكد الناصر، خلال كلمته في مؤتمر البترول العالمي، أن مسارات تحول الطاقة ستختلف من دولة إلى أخرى، مع استمرار النفط والغاز في أداء دور محوري في مزيج الطاقة العالمي، مشددًا على أهمية تبني مسارات عملية ومرنة تراعي احتياجات الاقتصادات المختلفة.
وأوضح أن توفير الطاقة الموثوقة وبأسعار معقولة يمثل ضرورة أساسية لدعم الوظائف والنمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة، لا سيما في دول الجنوب العالمي، إذ يشكل نقص الطاقة أحد العوائق أمام التنمية.
وأكد رئيس أرامكو السعودية أهمية مواصلة بناء منظومة طاقة متكاملة تجمع بين النفط والغاز والطاقة المتجددة، وتتمتع بالقدرة على تلبية الطلب في الظروف الطبيعية ومواجهة الضغوط خلال الأزمات، بما يعزز أمن الطاقة في المملكة والعالم.
وتأتي التصريحات خلال افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض، الذي يشهد مناقشات بشأن مستقبل الطاقة وأمن الإمدادات وسبل تعزيز مرونة الأسواق في مواجهة التحديات الجيوسياسية والتشغيلية.
وينعقد المؤتمر تحت شعار "مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع"، بمشاركة نحو 70 وزيرًا و300 رئيس تنفيذي لكبرى شركات الطاقة العالمية، إلى جانب ممثلي المنظمات الدولية والأكاديميين والخبراء، لمناقشة أمن الإمدادات ومستقبل القطاع والتحديات المرتبطة بتحولات منظومة الطاقة.






