تواجه صادرات الجزائر من الغاز المسال تحولات ترتبط بتزايد الطلب المحلي على الكهرباء، والظروف التشغيلية لمنشآت الإسالة، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تعزيز موقعها في الأسواق الدولية، مستفيدةً من بنيتها التحتية وخبرتها في صناعة الغاز الطبيعي.
وتراجعت صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 27% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من عام 2026، لتصل إلى 1.57 مليون طن، وفق بيانات وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).
يأتي هذا الانخفاض في ظل ارتفاع استهلاك الغاز لتوليد الكهرباء خلال أشهر الصيف، إلى جانب أعمال الصيانة المبرمجة في محطة أرزيو، واستمرار تراجع الكميات المغذّية لمحطات التسييل.
ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن قدرة الجزائر على تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات السوق المحلية والمحافظة على مستويات التصدير، ولا سيما مع أهمية الغاز في مزيج الكهرباء، ودوره في دعم مكانة البلاد بوصفها موردًا رئيسًا للطاقة إلى الأسواق الأوروبية والدولية.
تراجع صادرات الجزائر من الغاز
قال أستاذ الاقتصاد بجامعة سطيف 1، الدكتور هباش فارس، إنّ انخفاض صادرات الجزائر من الغاز المسال يرجع إلى تداخل عاملين رئيسين:
- ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء خلال فصل الصيف.
- أعمال الصيانة التي شهدتها منشأة أرزيو في أغسطس/آب الماضي.
وأوضح فارس -في تصريحات خاصة إلى منصة عرب بريس- أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استعمال أجهزة التكييف يرفعان استهلاك الكهرباء، مما يدفع إلى توجيه كميات إضافية من الغاز إلى محطات التوليد، ويؤثّر في حجم الإمدادات المتاحة لمحطات الإسالة، خصوصًا عند تزامن ذلك مع أعمال الصيانة التي تحدّ مؤقتًا من الطاقة التشغيلية للمنشآت.

وأشار إلى أن تقييم أداء صادرات الغاز يتطلب التمييز بين الغاز المسال والإمدادات المنقولة عبر خطوط الأنابيب، إذ إنّ تراجُع الشحنات البحرية لا يعني بالضرورة انخفاض إجمالي الصادرات، في ظل اختلاف ظروف التشغيل وقنوات التصدير.
وأضاف أن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية يمثّل أحد الحلول طويلة الأجل لتخفيف الضغط على استهلاك الغاز محليًا، من خلال زيادة مساهمة المصادر المتجددة في توليد الكهرباء، بما يتيح توفير كميات إضافية من الغاز للصناعة أو التصدير، ويعزز قدرة الجزائر على تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي والحفاظ على مكانتها في الأسواق الدولية.
من جانبه، قال أستاذ اقتصادات الطاقة والأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية، البروفيسور ساري نصر الدين، إن التحدي الأساس أمام صادرات الجزائر من الغاز يتمثل في قدرة البلاد على توفير إمدادات إضافية للأسواق الخارجية، في ظل تزايد احتياجات الاقتصاد المحلي.
تأمين احتياجات السوق المحلية
أوضح نصر الدين أن انخفاض صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر الـ9 الأولى من عام 2026 بنسبة 13% يُبرز أهمية تعزيز مرونة المنظومة الإنتاجية والتشغيلية، لا سيما أن الغاز المسال يمنح الجزائر قدرة أكبر على تنويع الأسواق والاستجابة لتغيرات الطلب العالمي.
وشدد نصر الدين -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- على ضرورة مواصلة الاستثمار في استكشاف الغاز وتطوير الحقول، بالتوازي مع تسريع مشروعات الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة استهلاك الكهرباء.

وأكد أن الحفاظ على موثوقية الإمدادات الخارجية يتطلب تحقيق توازن مستدام بين تأمين احتياجات السوق المحلية واستقرار الصادرات، خصوصًا في ظل التقلبات الجيوسياسية والموسمية التي تشهدها أسواق الغاز.
من جهته، أبرز الخبير الاقتصادي الدكتور بوشيخي بوحوص أن الجزائر تمتلك ثروات طبيعية متنوعة وخبرة واسعة في صناعة الغاز والبتروكيماويات؛ ما يدعم مكانتها بصفتها موردًا موثوقًا للطاقة، ويفتح المجال أمام توسيع صادراتها إلى أسواق جديدة.
وأوضح أن الجزائر احتلّت المرتبة الثامنة عالميًا في صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، بنحو 9.7 مليون طن، وفق تقرير الاتحاد الدولي للغاز الصادر في يوليو/تموز 2026، في حين بلغت طاقة التسييل لديها 25.5 مليون طن سنويًا.
تعزيز حضور الجزائر في الأسواق الدولية
أشار بوحوص -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى توسُّع حضور الجزائر في الأسواق الدولية، بما في ذلك المملكة المتحدة، التي ارتفعت وارداتها من الغاز الطبيعي المسال الجزائري من 60 ألف طن خلال الربع الأول من عام 2025 إلى 140 ألف طن في المدة المقابلة من عام 2026، بزيادة تقارب 130%.
وأضاف أن صادرات الجزائر من الغاز تتجه إلى تنويع الأسواق والمنتجات، إذ تصدرت البلاد قائمة موردي النافثا إلى كوريا الجنوبية خلال النصف الأول من عام 2026، بحصّة بلغت 17.2% من إجمالي الواردات، كما عززت تعاونها في قطاع الطاقة مع دول أفريقية، من بينها تشاد، عبر تصدير غاز النفط المسال.
وأكد بوحوص أن البنية التحتية والخبرة الفنية والقدرة على تنويع الأسواق والمنتجات تمثّل ركائز مهمة لتعزيز حضور الجزائر في تجارة الطاقة العالمية.

وأرجع مدير وحدة أبحاث الطاقة، أحمد شوقي، انخفاض صادرات الجزائر من الغاز خلال الربع الثالث من عام 2026 إلى 3 أسباب رئيسة:
- استمرار انخفاض كميات الغاز المغذية لمحطات الغاز الطبيعي المسال.
- ارتفاع استهلاك الغاز في توليد الكهرباء إلى مستويات قياسية خلال أشهر الصيف.
- جانب أعمال الصيانة المخططة في محطة أرزيو خلال أغسطس/آب الماضي.
زيادة الاستهلاك المحلي
أبرزَ شوقي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الاستهلاك المحلي المتزايد يلتهم أيّ زيادة يحققها إنتاج الغاز، خصوصًا في قطاع الكهرباء، الذي شهد أحمالًا غير مسبوقة خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب الماضيين.
ولم تشهد صادرات الجزائر عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا تغيرًا ملحوظًا يعوّض انخفاض شحنات الغاز الطبيعي المسال، إذ بلغت 78 مليون متر مكعب يوميًا خلال الربع الثالث من عام 2026، بزيادة طفيفة على مستواها في الربع نفسه من عام 2025، البالغ 77 مليون متر مكعب يوميًا، مع تأرجح الإمدادات إلى إسبانيا، بحسب شوقي.

وأشار إلى أنه بالتوازي مع الجهود الحالية لتعزيز أنشطة البحث والاستكشاف، يجب خفض استهلاك الغاز محليًا، الذي يمثّل 99% من مزيج الكهرباء، وهو ما تعمل عليه الحكومة حاليًا من خلال مشروعات الطاقة الشمسية.
- محطات إسالة الغاز في الجزائر.. منشآت ضخمة بطاقة 25.5 مليون طن سنويًا
- أمريكا تتربع على عرش صادرات الغاز المسال إلى الهند
- الكهرباء: وفرنا أكثر من 65 مليار متر مكعب من الغاز بأكثر من 38 مليار دولار
- قطر للطاقة توقع صفقات لشراء 4 ملايين طن سنويًا من الغاز الأميركي
- قطاع الكهرباء في الجزائر يترقب 5 مشروعات خلال 2027






