قال الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور ياسين العلي: إن سوريا، رغم امتلاكها شريطاً ساحلياً يتجاوز 180 كيلومتراً وميناءين تجاريين رئيسيين في اللاذقية وطرطوس، لم تحوّل مواردها البحرية والساحلية حتى الآن إلى منظومة اقتصادية متكاملة، موضحاً أن امتلاك البحر لا يعني امتلاك اقتصاد بحري ما لم يتحوّل المورد والموقع إلى إنتاج ودخل وفرص عمل وسلاسل قيمة، مع الحفاظ على الأصل الطبيعي.
وأوضح العلي أن الاقتصاد الأزرق يمثّل إطاراً لإدارة الموارد البحرية والساحلية واستثمارها ضمن حدود الاستدامة البيئية، ولا يقتصر على الصيد والنقل البحري، بل يشمل الموانئ واللوجستيات والاستزراع المائي والسياحة والصناعات والخدمات البحرية والطاقة والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن ضيق الجرف القاري ومحدودية بعض الموارد البحرية السورية يجعلان تعظيم القيمة المضافة من الموارد المتاحة أكثر أهمية من التوسّع الكمي في استخراجها.
الموانئ.. من العبور إلى إنتاج القيمة
ولفت العلي إلى أن الموانئ والخدمات اللوجستية تمثّل إحدى أبرز فرص الاقتصاد الأزرق، مبيّناً أن ميناءي اللاذقية وطرطوس استقبلا خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 945 سفينة، وناولا قرابة 8 ملايين طن من البضائع.
وأكد أن القيمة الاقتصادية لا تتوقف عند حركة السفن، وإنما تمتد إلى النقل والتخزين والتأمين والصيانة والتخليص وسلاسل التبريد والتصنيع وإعادة التصدير وربط الموانئ بالمناطق الإنتاجية، بما يحوّل الميناء من نقطة عبور إلى منصة للاستثمار وفرص العمل.
الثروة السمكية.. سلسلة قيمة متكاملة
وفي الثروة السمكية، أشار العلي إلى أن بيانات الأشهر الأولى من عام 2026 أظهرت نحو 3500 طن من الصيد البحري و400 طن من المزارع البحرية، لافتاً إلى أهمية إدارة المخزون البحري وحمايته، بالتوازي مع تطوير الاستزراع المائي.
وأوضح أن القيمة المضافة يمكن أن تبدأ من المفرخات والأعلاف والتقنيات، مروراً بالإنتاج والرقابة الصحية والتبريد والنقل، وصولاً إلى التصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير، بدلاً من بيع المنتج بصورته الخام.
السياحة والطاقة.. فرصٌ بشروط
ورأى العلي أن اجتماع البحر والجبال والغابات والمواقع التاريخية يمنح الساحل السوري فرصاً سياحية، لكن تعظيم العائد يتطلب إطالة الموسم ورفع إنفاق الزائر وتوسيع الخدمات، مع حماية الساحل من التوسّع العمراني والتلوث.
وفي الطاقة، أشار إلى التحرّكات الأولية خلال عام 2026 لاستكشاف الموارد الهيدروكربونية البحرية، مشدّداً على ضرورة التمييز بين الإمكان الجيولوجي والاحتياطي المثبت والقابل للاستثمار؛ فالاستكشاف فرصة محتملة وليس ثروة محقّقة. كما لفت إلى إمكان دراسة الطاقة البحرية المتجدّدة وتقنيات المياه وفق الجدوى الاقتصادية والبيئية.
فجوة مؤسسية واستراتيجية مطلوبة
واعتبر العلي أن التحدّي لا يكمن فقط في الموارد، بل في القدرة على إدارتها ضمن منظومة متكاملة، في ظل تعدّد الجهات ونقص البيانات الحديثة وضعف التخطيط المكاني ومحدودية أدوات الرصد والتمويل والمهارات، إلى جانب التلوث والصرف غير المعالج والنفايات والضغط العمراني.
ودعا إلى استراتيجية وطنية تبدأ بمسح اقتصادي وبيئي للساحل والمياه البحرية، وبناء قاعدة بيانات وحسابات اقتصادية وبيئية، ثم إعداد تخطيط مكاني يحدّد الاستخدامات وفق الجدوى والقدرة البيئية، وتوجيه الاستثمار نحو الموانئ واللوجستيات والاستزراع المائي والصناعات السمكية والسياحة المستدامة والخدمات البحرية والطاقة وحماية البيئة.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من التمويل الأزرق والأخضر والمناخي، بما في ذلك التمويل المختلط والصناديق المناخية والسندات الزرقاء عند توافر شروطها، لاستقطاب رأس مال طويل الأجل وربط التمويل بنتائج اقتصادية وبيئية قابلة للقياس.
وأكد العلي أن معيار نجاح الاقتصاد الأزرق ليس حجم الموارد المستخرجة، بل القيمة المضافة المحلية والاستثمارات والوظائف والمعرفة التي يولدها النشاط مقارنة بالضغط على البيئة والموارد.
وخلص موضحاً إلى أن التحدّي أمام سوريا هو الانتقال «من استخراج المورد إلى بناء قيمته، ومن تحقيق العائد الآني إلى تراكم الاستثمار والمعرفة والقدرة الإنتاجية»، بحيث يصبح البحر أصلاً اقتصادياً منتجاً، وتصبح حماية البيئة جزءاً من حماية الثروة نفسها.
- شحنة البنزين الأميركية للعراق من الأغلى في العالم.. لماذا لم يلجأ للخليج؟ (تقرير)
- وزير الري من روما: تكامل المياه والطاقة والغذاء مدخل أساسي للتنمية المستدامة
- الحفر العربية توقع صفقة لتوفير 4 منصات بحرية بـ532 مليون دولار
- اتحاد الكتّاب العرب في سوريا: لم نبرم أي عقد استثماري ولن نتردد في اللجوء إلى القضاء
- التصعيد الإسرائيلي يتصاعد جنوب سوريا ودمشق تتحرك دبلوماسياً






