تحولت ساحة الحرية بمدينة الحسكة، في جمعة “لا علم إلا علم الجمهورية العربية السورية”، إلى مساحة عبر فيها الآلاف من أبناء المدينة وريفها عن مطلب واضح: استكمال بسط سيادة الدولة وتفعيل مؤسساتها وإنهاء مظاهر الانفلات الأمني.
لم يكن هذا الخروج طارئاً، هو كلمة أهل الدار حين ضاق صدرهم بحال لا يليق بهم؛ فمن غويران والنشوة والعزيزية والناصرة، ومن مدن المحافظة وأريافها، جاء الأهالي جماعات، يتقدمهم وجهاء وشيوخ وذوو شهداء، ومن ورائهم الشباب والأطفال.
ولم تكن الحسكة وحدها، فقد خرجت مظاهرات تضامن في الرقة والطبقة ومنبج ودير الزور وريف القامشلي، وجاء أبناء الشدادي ودير الزور إلى الساحة، في مشهد حمل دلالات سياسية واجتماعية.
وأحسن ما في المشهد انضباطه وانتشار الأمن الداخلي لحماية المتظاهرين والممتلكات، وأن الدولة هي الخيمة التي تظلل الجميع، فكان أهل الحسكة هم الأدرى بجراحهم، وهم من بادروا إلى تضميدها بالقانون.
وجوهر الرسالة التي حملها المتظاهرون لا ينحصر في رفع العلم، بل يرتبط بما يمثله من مرجعية سياسية وقانونية جامعة، فالمواطن الذي يطالب بعودة المؤسسات لا يريد رمزاً يرفعه في الساحات فحسب، وإنما يريد إدارة تعمل وقضاءً يحتكم إليه وأمناً يحميه، وخدمات تصل إليه من دون أن تتوقف على موازين القوى أو نفوذ السلاح.
وفي مجتمع تبرز فيه خصوصية البيئة الاجتماعية في الجزيرة السورية، فٱن للعشيرة والقبيلة والجيرة مكانة راسخة في حماية الأفراد وتسوية الخلافات، لكن هذه الروابط، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تحل محل مؤسسات الدولة في إدارة شؤون مجتمع واسع ومتنوع.
فالفزعة التي يعرفها أبناء المنطقة عند الشدائد يمكن أن تكون سنداً للاستقرار، شرط أن تتجه نحو حماية الناس وإسناد القانون، لا أن تتحول إلى اصطفافات متقابلة أو سلطات متنافسة.
ومن هذه الزاوية، تكتسب المطالبة بفتح المجال أمام أبناء المحافظة للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي دلالة تتجاوز زيادة عدد العناصر الأمنية؛ فهي تعكس رغبة في أن يكون أبناء المنطقة شركاء في حماية مدنهم، ضمن مؤسسة رسمية تخضع للقانون، لا أن يبقى الأمن رهناً بتوازنات الجماعات المسلحة وولاءاتها.
غير أن الحشود الكبيرة لا تكفي وحدها لتغيير الواقع، فقد رافق التحرك توتر أمني، عقب اعتداءات على المواطنين المشاركين في المظاهرات، نفذتها عناصر منفلتة خارجة عن القانون تتبع ميليشيا مايسمى “الشبيبة الثورية”، ما يضع حماية المشاركين والمدنيين أمام اختبار مباشر.
فحرية التعبير لا تكتمل إذا خاف المواطن من العودة إلى منزله، ولا تستقيم سيادة القانون إذا بقي المعتدي بمنأى عن المساءلة.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة في حماية الجميع، والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، ومنع أي محاولة لاستثمار الحراك في تأجيج الخلافات القومية أو الاجتماعية.
فالمطلوب ليس حضوراً أمنياً مؤقتاً يهدأ الشارع بعده ثم تعود الانتهاكات، بل خطوات عملية تشمل استكمال دمج المؤسسات وضبط السلاح وتطبيق القانون، وكشف مصير المعتقلين والمفقودين.
وقد لخص ابن خلدون، في حديثه عن العمران والاجتماع البشري، أهمية العصبية في تماسك الجماعات، لكن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تقوم على عصبية واحدة؛ بل على مواطنة تجعل الانتماءات الاجتماعية رافداً للتضامن، لا بديلاً عن القانون.
لقد قالت الحسكة كلمتها، ويبقى أن تتحول هذه الرسالة الشعبية إلى مسار مؤسساتي واضح: وطن واحد وعلم واحد وقانون واحد، والمطلوب الآن أن تتحول هذه الكلمة إلى خطوات على الأرض، والحسكة تستحق أن تكون كغيرها من المحافظات: آمنة ومستقرة ومنتجة.
وفي المحصلة، فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذا الحراك ليس حجم الحشود وحده، وإنما ما إذا كانت مطالبه ستقود إلى أمن مستدام ومؤسسات فاعلة ومواطنة متساوية، وكما يقول المثل: «العدل أساس الملك»، ولا يستقيم استقرار الحسكة إلا حين يشعر كل أبنائها بأن الدولة بيتهم جميعاً، وأن القانون هو الحكم بينهم.
أسرة التحرير
- لحمايتك.. اختصاصات بالقانون لمركز حماية البيانات الشخصية
- الحسكة.. تتظاهر سلمياً في “جمعة فرض السيادة”.. ويطالب أبناؤها بفرض سيادة الدولة وتفعيل سلطة القانون فيها
- قانون حماية البحيرات، لماذا حظر القانون إلقاء المخلفات في البحيرات؟
- لصوص الجهد: نظرة قانونية
- 7 شروط للتمتع بحوافز وإعفاءات المشروعات المتوسطة والصغيرة






