تتجه الأنظار إلى تفاصيل اتفاق نفطي واسع النطاق بين تركيا والعراق، تعتزم الدولتان توقيعه خلال عام، ما يعدّ بابًا جديدًا للتعاون متعدد المسارات، ويتجاوز مجرد تصدير الخام عبر ميناء جيهان.
ووفق تحليل لمنصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، فإن تركيا ستجني مكاسب قوية مع تمرير الاتفاق، لا تقتصر على الاستفادة المالية فقط.
وتُعقَد اجتماعات ولقاءات مكثفة بين الجانبين لإعداد مسودة الاتفاق، والاتفاق حول التفاصيل المالية والتشغيلية والتنظيمية لمحاور إطار التعاون مشترك يشمل النفط والغاز.
ويمثّل الاتفاق دعمًا قويًا للعراق، بعد أضرار لحقت بالصادرات النفطية من المنطقة تأثرًا بتداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، واستهداف طهران لمنشآت طاقة خليجية، وتعطُّل الملاحة في مضيق هرمز.
اتفاق نفطي بين تركيا والعراق
تشير ملامح اتفاق نفطي بين تركيا والعراق إلى عدد من المسارات، سواءً على صعيد زيادة الصادرات والاستثمارات، أو تطوير المرافق وخطوط النقل والبنية التحتية، والتعاون في قطاع البتروكيماويات.
ويشكّل الاتفاق "منفعة مزدوجة" سواءً لأنقرة أو بغداد، فتركيا تواصل تنفيذ إستراتيجية توسعة الاستثمارات، والعراق يحتاج إلى هذه التوسعات.
فبالنسبة للعراق يتيح الاتفاق:
- زيادة صادرات النفط عبر تركيا، وتخصيص حصة كبيرة منها إلى أوروبا
- التوسع في شبكة خطوط أنابيب، لربط حقول الخام في جنوب البلاد بحدود أنقرة
- زيادة استثمارات الحقول من خلال فتح المجال أمام توقيع عقود مع شركات تركية، ما يدعم زيادة الإنتاج المستهدفة
- جذب الاستثمارات التركية لقطاع البتروكيماويات العراقي
بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي "نبيل المرسومي" أن قطاع البتروكيماويات العراقي يعدّ فرصة لتركيا لتوقيع عقود مشروعات جديدة، خاصةً أن جوانب الاتفاق المرتقب تعزز حضورها بصفتها بوابة رئيسة لصادرات بغداد النفطية.
وأشار إلى أن اتفاق نفطي بين تركيا والعراق قيد التفاوض يمثّل امتدادًا يضيف على الاتفاق السابق للتصدير من كركوك إلى جيهان، وفق تصريحات نقلها عنه موقع "أربيان غلف بيزنس إنسايت AGBI".
وأوضح أن اعتماد صادرات النفط العراقية على أنقرة زاد في الآونة الأخيرة، في ظل استمرار تعطُّل التدفقات عبر مضيق هرمز.
خطط عراقية داعمة
التقى وزير النفط العراقي باسم خضير، وزيرَ الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، لمواصلة العمل على تفاصيل تصدير الخام عبر ميناء جيهان.
وكشف المسؤول العراقي عن مناقشة فرص مشاركة شركات الطاقة التركية في مشروعات النفط والغاز بالبلاد، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تعود بالنفع على البلدين، خاصةً بغداد.
وقال، إن هناك اتفاقًا حول تشكيل لجان متخصصة لبحث تطوير البنية التحتية، واستثمارات الحقول، وغيرها.
ويستهدف العراق توسعة نطاق شبكة تصدير النفط، من خلال مدّ خطوط أنابيب تضخّ المزيد من التدفقات إلى تركيا.
ومن بين الخيارات المطروحة إعادة التصدير عبر سوريا، في ظل تضرُّر خط قديم لنقل الخام من كركوك إلى ميناء بانياس.
مكاسب تركيا
تتجاوز مكاسب تركيا من الاتفاق مجرد تحصيل رسوم مقابل مرور صادرات النفط العراقية عبر أراضيها.
ويمكن تقسيم نطاق هذه الاستفادة إلى 3 مستويات: رسوم نقل مباشرة، ومكاسب من التخزين والتحميل والتجارة والتكرير، ثم مكسب إستراتيجي يتمثل في ترسيخ تركيا ممرًا رئيسًا للطاقة من نفط العراق، وربما خامات خليجية أخرى، إلى البحر المتوسط.
وتفصيليًا، تشمل هذه المكاسب:
- عوائد اقتصادية
لسنوات شكّل خط كركوك-جيهان أحد أبرز الأصول الإستراتيجية لأنقرة، ويعود هذا إلى حجم الإيرادات الناتج من نقل الخام وتخزينه وتحميله، بالإضافة إلى توفير التدفقات لمصافي تركيا بكميات كبيرة.
واتخذ التعاون النفطي بين البلدين خطوة مهمة، مع توقيع اتفاق مدّته عام واحد بينهما، في أغسطس/آب الماضي؛ بهدف إعادة تنظيم نقل الخام العراقي، في حين يعدّ الاتفاق قيد المناقشة حاليًا ترتيبًا أطول أجلًا.
وطبقًا لرؤية وحدة أبحاث الطاقة، فإن الاستفادة المالية المباشرة لتركيا حاليًا تتمثل في في التعرفة التي تحصل عليها شركة بوتاش التركية مقابل نقل النفط العراقي عبر خط الأنابيب.
وبحسب البيانات المعلنة، تبلغ التعرفة 1.62 دولارًا لكل برميل، وتشمل تشغيل خط العراق-تركيا وصيانته.
وتصل الطاقة المخصصة للعراق بموجب الاتفاق الحالي إلى نحو 750 ألف برميل يوميًا، إلّا أن الكميات الفعلية التي تُضَخّ أقل بكثير من هذه السعة.
وبفرض تدفقات عند مستوى 200 ألف برميل يوميًا، تصل قيمة التعرفة الحسابية إلى نحو 324 ألف دولار يوميًا، أو قرابة 118 مليون دولار سنويًا.
أمّا إذا استُعملت السعة المخصصة كاملةً، البالغة 750 ألف برميل يوميًا، فإن قيمة التعرفة ترتفع إلى نحو 1.22 مليون دولار يوميًا، بما يعادل قرابة 444 مليون دولار سنويًا.

- تأمين الطلب المحلي
تاريخيًا، استفادت تركيا من مستويات ضخ أعلى عبر خط العراق–تركيا، إذ كانت التدفقات تصل في بعض الأوقات إلى نحو 450 ألف برميل يوميًا، في حين اقتربت من 500 ألف برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني 2023.
وأظهرّ توقُّف صادرات النفط عبر الخط -منذ مارس/آذار 2023- أن قيمة المنظومة بالنسبة لأنقرة لا تقتصر على الإيرادات التي تحصل عليها عند تشغيلها.
وأشارت تقديرات منصة الطاقة المتخصصة إلى أن التزامات العراق المرتبطة بالمنظومة كانت تصل إلى نحو 25 مليون دولار شهريًا في فترات توقُّف التدفقات، أي قرابة 300 مليون دولار سنويًا، في حين قُدِّرت خسائر تركيا من رسوم العبور خلال فترة توقُّف الخط بنحو 400 مليون دولار على الأقل.
وهنا يبرز أن المكسب الأكبر المحتمل لتركيا لا يرتبط برسوم النقل وحدها، بل باستعمال موارد الخام العراقي لتأمين احتياجات السوق المحلية.
وتستهدف أنقرة الحصول على نحو مليون برميل يوميًا من العراق لتلبية احتياجات المصافي التركية، في حين يمثّل النفط العراقي حاليًا نحو 10% فقط من احتياجات مصافي تركيا.
وإذا تحققَ هذا الهدف، ستنتقل العلاقة من نموذج "نفط عراقي يعبر الأراضي التركية" إلى تعاون أكثر اتّساعًا يجمع بين النقل والاستهلاك والتكرير والتجارة.
وتُحقق تركيا في هذه الحالة استفادة من الحصول على خام قريب جغرافيًا ومناسب لمصافيها، مع تقليل الاعتماد على بعض مصادر ومسارات الإمدادات الأخرى.
- التحول لمركز إقليمي
تُمثّل مدينة جيهان ومرافقها النفطية عنصرًا رئيسًا في المعادلة، إذ لا تتوقف استفادة تركيا عند خط الأنابيب، بل تمتدّ إلى التخزين والتحميل والتصدير إلى الأسواق العالمية، ما يجعلها مركزًا إقليميًا لتجارة النفط والغاز.
وتسعى أنقرة إلى زيادة استعمال خط العراق–تركيا، الذي تبلغ قدرته التشغيلية المستهدفة نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، ما يعني إمكان رفع الإيرادات المرتبطة بالبنية التحتية بصورة كبيرة إذا ارتفعت التدفقات الفعلية.
فعند تدفُّق 1.5 مليون برميل يوميًا وبالتعرفة الحالية البالغة 1.62 دولارًا للبرميل، تصل القيمة الحسابية للتعرفة إلى نحو 2.43 مليون دولار يوميًا، أو 887 مليون دولار سنويًا، قبل خصم تكاليف التشغيل والصيانة.
والأهم أن تركيا تنظر إلى الخط بصفته ممرًا يمكن أن يتجاوز النفط العراقي مستقبلًا، مع طرح إمكان استعماله لنقل خام من الكويت ودول الخليج إلى ميناء جيهان.
- من العراق إلى بانياس.. فرصة سورية على خريطة الطاقة
- متحدث وزارة النفط العراقية يكتب لـ"الطاقة" في يوم السيادة.. هذه مستهدفاتنا (مقال)
- النفط العراقي معروض للبيع بأكبر خصم.. 37 دولارًا للبرميل
- العراق يتوقع استئناف صادرات النفط من إقليم كردستان خلال أيام
- تركيا تقدم مقترحا للعراق لتجديد وتوسيع اتفاقية الطاقة






