نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الثقافة أولا «حين تتكلم الهوية السعودية بلغة العالم», اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 06:51 مساءً
المملكة العربية السعودية اليوم، بكل تأكيد، تقف على أعتاب مرحلة استثنائية في استضافتها للعالم عبر سلسلة من الفعاليات الكبرى القادمة؛ من كأس آسيا 2027م، مرورا بالألعاب الآسيوية الشتوية 2029م، وصولا إلى كأس العالم 2034م لكرة القدم، ولا يمكن في هذا السياق إغفال «عدسة المستقبل» إكسبو 2030 في الرياض، إلى جانب المعارض الدولية والبطولات الرياضية والثقافية والترفيهية. مشهد متكامل ينسجم تماما مع طموح رؤية السعودية 2030، التي لم تعد تعرف بالأرقام والمؤشرات فحسب، بل بالصورة، والحكاية، والتأثير العميق في الوعي العالمي.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هذه المناسبات والفعاليات، التي لم تعد أحداثا عابرة أو لحظات احتفالية مؤقتة، كيف يمكن استثمارها بالشكل الأمثل بوصفها أدوات استراتيجية عالمية قادرة على تحقيق آثار مستدامة على المدى الطويل، اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا وحتى سياسيا؟
الواقع أن ما تمتلكه المملكة في هذا التوقيت هو فرص ذهبية، وربما نادرة في تاريخ الدول، للتعريف بحضارتها وثقافتها على نطاق دولي واسع، ولإيصال رسائلها الثقافية والإنسانية بلغة يفهمها العالم، وترك أثر يتجاوز أيام الفعاليات نفسها، فالاستثمارات المصاحبة لهذه الأحداث ضخمة ومتنوعة، تمتد من السياحة والثقافة إلى الإعلام وإبراز الهوية الوطنية وتعزيز الصورة الذهنية للمملكة عالميا.
غير أن الاستثمار الثقافي في الفعاليات الكبرى لا يعني الاكتفاء بتقديم عروض تراثية عابرة، أو مشاهد فولكلورية تعرض ثم تطوى صفحتها بانتهاء الحدث، الاستثمار الحقيقي هو تحويل الثقافة السعودية إلى تجربة حية، يعيشها الزائر، ويتفاعل معها، ويتذكرها بوصفها قصة متكاملة لا مجرد لقطة عابرة.
اليوم، وربما منذ الأمس قبل الغد، نحن بحاجة إلى العمل بعمق على ثلاثة محاور متداخلة: الثقافة والفنون والإعلام. الثقافة بوصفها الأساس، والفنون كأداة تعبير عالمية، والإعلام كجسر يعبر به هذا المحتوى إلى العالم.
الثقافة هي رأس المال الأهم في الفعاليات الكبرى، هي التي تمنح الحدث روحه، وتمنح المكان معناه، وتمنح الدولة صوتها الحقيقي، حين تقدم الثقافة السعودية بوصفها هوية حية ومتجددة، لا مجرد ماض محفوظ، فإنها تصبح قادرة على مخاطبة الآخر بلغة إنسانية مشتركة، تتجاوز الحدود واللغات.
وهنا، لا بد من الانتقال من «عرض الثقافة» إلى «عيش الثقافة»، من المتاحف المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة، من العروض إلى التجارب التفاعلية، من الحكايات المروية إلى القصص المعاشة، الزائر لا يريد أن يرى التراث فقط، بل أن يشعر به، وأن يفهم الإنسان السعودي وحضارته وقصته وإنسانيته وقيمه وكيف أصبح هذا الوطن عظيما.
أما الفنون، فهي اللغة الأكثر قدرة على الوصول إلى العالم دون ترجمة؛ الموسيقى، والمسرح، والسينما، والفنون البصرية، والتصميم، كلها أدوات قادرة على نقل صورة المملكة الجديدة بثقة وعمق. الاستثمار في الفنان السعودي، وفي الإنتاج الفني المرتبط بالفعاليات الكبرى، يعني صناعة ذاكرة ثقافية ترافق هذه الأحداث وتبقى بعدها.
ويأتي الإعلام بوصفه العامل الحاسم في تحويل الجهد الثقافي والفني إلى أثر عالمي، الإعلام اليوم ليس ناقلا محايدا، بل صانع سرديات. التحدي الحقيقي ليس في حجم التغطية، بل في نوعها، وفي القصة التي تروى عن المملكة، وعن الإنسان، والتحول، والتنوع، والطموح، لا مجرد أرقام أو مشاهد احتفالية.
إن نجاح المملكة في استثمار هذه الفعاليات الكبرى ثقافيا وإعلاميا لا يقاس فقط بعدد الزوار أو ساعات البث، بل بقدرتها على بناء إرث طويل الأمد، يرسخ صورة ذهنية جديدة، ويجعل من كل فعالية نقطة انطلاق لمشروع ثقافي وإعلامي مستدام.
الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه بعض الدول هو التعامل مع الفعاليات الكبرى بوصفها نهاية المطاف لا بدايته، بينما التجارب الناجحة جعلت منها نقطة انطلاق لمشاريع ثقافية ومواسم مستدامة ومؤسسات تواصل العمل بعد انطفاء الأضواء.
والسؤال الأهم: ماذا يجب علينا أن نعمل من الآن؟
الجواب: أن نخطط لما بعد الحدث قبل أن يبدأ، أن نربط كل فعالية بمشروع ثقافي أو إعلامي طويل الأمد، وأن نستثمر في الإنسان السعودي بوصفه صانع الإرث ومنشئ المحتوى الأصيل وحامل هاجس القصة ومكملها بعد انتهاء الحدث، إلى جانب بناء منصات ومؤسسات قادرة على تحويل الفعاليات إلى مواسم متكررة والقصص إلى ذاكرة وطنية حية تروى للأجيال المتعاقبة.
فالعمل من الآن يعني التفكير بعقلية ما بعد الحدث، والانتقال من التنظيم المؤقت إلى البناء المستدام، حتى لا تبقى الفعاليات صورا في الأرشيف، بل محطات مفصلية في مسار التحول الثقافي والإعلامي للمملكة.
فحين تتكلم الثقافة أولا، وتتحدث الهوية بثقة، وتروى الحكاية بذكاء، ويبرز الإبداع في القصة والصورة تتحول الفعاليات الكبرى من مناسبات عابرة.. إلى ذاكرة وطن، ورسالة للعالم.
3OMRAL3MRI@

















0 تعليق