تكشف التفاهمات الأميركية -الروسية المعلنة في 9 أكتوبر 2026 بشأن إمدادات الديزل عن مفارقة اقتصادية، فقد بلغ متوسط صادرات الولايات المتحدة من المقطرات النفطية 1.56 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من 2026، بينما وصلت صادرات الديزل، وفقا لتقرير Reuters، إلى نحو 1.6 مليون برميل يوميا في أغسطس. ومع ذلك، تبحث واشنطن عن إمدادات روسية لتخفيف ضغوط الأسعار المحلية.
تفسير هذه المفارقة لا يكمن في إجمالي إنتاج النفط، بل في توافر الديزل القابل للتسليم، وتوزيع المصافي والمخزونات، وتكاليف النقل والعقوبات.
اختلال المعروض العالمي
يقدر الطلب العالمي على الديزل والغازويل بنحو 30 مليون برميل يوميا، استنادا إلى حصتهما التقريبية من الاستهلاك النفطي. وفي أغسطس 2026، انخفض صافي صادرات الديزل والغازويل من الخليج وروسيا مجتمعتين بنحو 1.6 مليون برميل يوميا مقارنة بفبراير، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
ويمثل هذا التراجع أكثر من 5% من الطلب العالمي التقديري، لكنه لا يعني فقدان إنتاج عالمي بالمقدار نفسه، إذ عوضت مصاف وأسواق أخرى جزءا من الإمدادات عبر زيادة الإنتاج وإعادة توجيه الشحنات.
وتكشف المقارنة حجم الضغط على التجارة الدولية: فالانخفاض في صادرات المنطقتين يعادل تقريبا كامل صادرات الديزل الأميركية في أغسطس، وإن اختلفت طبيعة التدفقات والأسواق المستقبلة.
الخليج... تعافي الخام لا يكفي
تمتلك الكويت طاقة تكريرية تصميمية تبلغ نحو 1.415 مليون برميل يوميا، منها 615 ألفا لمصفاة الزور، فيما تبلغ طاقة مجمع الرويس الإماراتي نحو 922 ألف برميل يوميا. وهذه أرقام لمعالجة الخام، وليست لإنتاج الديزل وحده.
ورغم هذه الاستثمارات، تراجع صافي صادرات الديزل والغازويل الخليجية إلى نحو 390 ألف برميل يوميا في أغسطس، أي أكثر قليلا من ربع مستويات ما قبل الاضطرابات.
وبحسب بيانات تتبع الشحنات، استعادت صادرات الخام والمكثفات الخليجية نحو 91% من مستويات ما قبل الحرب في سبتمبر، مقابل 60% للمنتجات المكررة. ويعكس الفارق استمرار القيود على تشغيل المصافي وتصدير منتجاتها، حتى مع تحسن تدفقات الخام.
روسيا... إنتاج مفقود أم تجارة معاد توجيهها؟
أدت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية إلى تعطيل بعض الطاقات الإنتاجية، بينما رفعت العقوبات وقيود التمويل والشحن تكلفة التجارة وغيرت وجهات الصادرات.
والتمييز هنا أساسي: توقف المصفاة يخفض الإنتاج الفعلي، أما تحويل شحنة من مشتر إلى آخر فلا يخفض المعروض العالمي بالضرورة.
لذلك لا يمكن اعتبار تراجع صادرات الخليج وروسيا البالغ 1.6 مليون برميل يوميا عجزا صافيا مماثلا في إنتاج الديزل، أو نسبته بالكامل إلى العقوبات.
المخزونات... أين انتقل الضغط؟
تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض المخزونات النفطية العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل بين فبراير وأغسطس 2026، وهو رقم يشمل الخام والمنتجات النفطية، وليس الديزل وحده.
وفي الولايات المتحدة، بلغت مخزونات المقطرات 105.1 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 2 أكتوبر، بانخفاض يقارب 16.4 مليون برميل عن مستواها قبل عام.
ومع تراجع المخزونات، تصبح الأسعار أكثر حساسية لتعطل المصافي وتأخر الشحنات، وترتفع هوامش تكرير الديزل وتكلفة تأمين الإمدادات الفورية.
لماذا تصدر أميركا وتستورد في الوقت نفسه؟
تتركز طاقة تكريرية أميركية كبيرة على ساحل الخليج، بينما تحتاج أسواق أخرى، خصوصا الساحل الشرقي، إلى واردات بحرية لتغطية جزء من استهلاكها.
وعندما ترتفع الأسعار الخارجية، تستفيد مصافي الخليج من التصدير، فيما قد يصبح استيراد الديزل إلى الساحل الشرقي أقل تكلفة من نقله داخليا، بسبب المسافات وتكاليف الشحن ومتطلبات قانون جونز المنظم للنقل البحري بين الموانئ الأميركية.
ولهذا لا يتحدد أمن الإمدادات بالفائض الوطني وحده، بل بسعر البرميل الهامشي وتكلفة وصوله إلى المستهلك.
الاتفاقية الروسية... ما حجم الإضافة الفعلية؟
تشمل الإمدادات الروسية المعلنة أكثر من 300 ألف طن بصورة أولية، و500 ألف طن في نوفمبر، ومليون طن لاحقا، إضافة إلى ثلاثة ملايين طن مشروطة بقدرة المصافي الروسية.
وتعادل الكميات الثلاث الأولى نحو 13.5 مليون برميل، بينما يصل إجمالي الكميات المحتملة إلى نحو 36 مليون برميل، باستخدام معامل تحويل تقريبي يبلغ 7.5 براميل للطن. وهذه كميات معلنة، لا شحنات مؤكدة التسليم، ولا يفترض أن جميعها مخصصة للولايات المتحدة.
وتعتمد جدوى الاتفاقية على ما إذا كانت روسيا ستزيد إنتاجها الفعلي عبر استعادة المصافي المعطلة، أم ستعيد توجيه صادرات قائمة من مشترين آخرين. ففي الحالة الأولى ترتفع الإمدادات العالمية، وفي الثانية يتغير توزيعها دون زيادة مماثلة في الإنتاج.
وفي 9 أكتوبر، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 135، الذي يخفف قيودا محددة على معاملات الديزل الروسي، دون أن يمثل إلغاء شاملا للعقوبات.
الخلاصة
توضح أزمة 2026 أن سوق الديزل لا تحكمها وفرة الخام وحدها. فقد تزامن تراجع صادرات الخليج وروسيا بنحو 1.6 مليون برميل يوميا مع انخفاض المخزونات وارتفاع تكاليف النقل، بينما واصلت الولايات المتحدة التصدير والبحث عن واردات إضافية.
وتكشف التفاهمات الأميركية -الروسية أيضا تفاوت القدرة على تحمل العقوبات وتعديلها. فبينما يواصل الاتحاد الأوروبي تقييد وارداته من المنتجات الروسية، وسعت واشنطن هامش التعامل مع الديزل الروسي عندما اشتدت ضغوط الأسعار المحلية، وإن بقيت قيود أخرى قائمة.
فالاختبار الحقيقي للاتفاقية ليس حجم الشحنات المعلنة، بل مقدار الإنتاج الإضافي الذي ستدخله إلى السوق. وأمن الطاقة لا يقاس بعدد البراميل المنتجة، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى وقود متاح، وإيصاله إلى المستهلك بتكلفة يمكن تحملها.
- صادرات النفط والغاز الروسية تتعافى والإيرادات تتراجع.. ما الأسباب؟ (مقال)
- تراجع صادرات النفط الروسية مع تصاعد الهجمات الأوكرانية والرسوم الأمريكية
- خبراء: زيادة إمدادات الديزل الروسي لأمريكا قد لا تخفض أسعار الوقود كثيرا
- واردات 4 دول من النفط العماني ترتفع 380%
- الاتحاد الأوروبي: رفع العقوبات عن الديزل الروسي يزيد إيرادات موسكو لتمويل الحرب






