ناقشت فعاليات اليوم الأول من منتدى القاهرة الثالث Cairo Forum2026، التحديات التي تواجه استقلالية البنوك المركزية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، واستمرار الضغوط التضخمية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد مطالب الحكومات بالتوسع في الإنفاق والتمويل.
وأدارت الدكتورة هالة السعيد، أستاذ الاقتصاد ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية سابقًا، ومستشار رئيس الجمهورية، خلال فعاليات المنتدى، جلسة «عندما تُختبر الاستقلالية: المصداقية، والتوقعات، والضغوط السياسية في ظل تضخم غير مؤكد»، شارك فيها مارك أوزان، المدير التنفيذي للجنة إعادة ابتكار بريتون وودز، والدكتور كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وجويندولين أبوناو، العضو المنتدب لبنك إيكوبنك الكاميرون، والدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب.
تناولت المناقشات العلاقة بين استقلالية السياسة النقدية والسياسة المالية، وحدود قدرة البنوك المركزية على مواجهة التضخم الناتج عن صدمات العرض والتغيرات في أسعار الصرف والطاقة والغذاء، إلى جانب انعكاسات السياسات النقدية للدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، على الاقتصادات الناشئة، وسبل تحقيق التوازن بين الاستقلالية والمساءلة والتنسيق المؤسسي.
أكدت الدكتورة هالة السعيد أن استقلالية البنك المركزي ظلت لعقود إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي الكلي، انطلاقا من ضرورة منحه تفويضا واضحا، وإبعاد القرارات النقدية عن الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل.
وأوضحت أن البيئة الاقتصادية الحالية تضع هذا المبدأ أمام اختبارات غير مسبوقة، في ظل استمرار التضخم وصعوبة التنبؤ بمساراته، وتكرار صدمات العرض والتوترات الجيوسياسية والأحداث المناخية، فضلا عن تقلبات تدفقات رؤوس الأموال، خاصة في الاقتصادات التي تمتلك هوامش محدودة لامتصاص الصدمات.
وأشارت إلى أن البنوك المركزية مطالبة بالسيطرة على التضخم وتثبيت التوقعات ودعم الاستقرار المالي والحفاظ على ثقة الجمهور، لكن هذه الأهداف قد تتعارض في بعض الأحيان؛ فرفع أسعار الفائدة قد يكون ضروريا لاحتواء التضخم، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكاليف الاقتراض ويحد من الاستثمار ويضع ضغوطا إضافية على المالية العامة.
وشددت على أن التحدي يصبح أكثر تعقيدا في الاقتصادات الناشئة، حيث لا يرتبط التضخم بالطلب المحلي وحده، بل يتأثر أيضا بأسعار الصرف والارتفاعات في أسعار الغذاء والطاقة وغيرها من السلع الاستراتيجية، ما يطرح تساؤلات حول حدود فاعلية السياسة النقدية عندما تكون أسباب التضخم خارج السيطرة المباشرة للبنك المركزي.
مارك أوزان: استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليست شأنا أمريكيا فحسب بل تمثل منفعة عامة للاقتصاد العالمي
واستعرض مارك أوزان المدير التنفيذي للجنة إعادة ابتكار بريتون وودز، مفهوم استقلالية البنك المركزي، موضحا أنه يتخذ شكلين رئيسيين: استقلالية تحديد الأهداف، واستقلالية الأدوات. ففي حين تحدد السلطات المنتخبة الأهداف العامة للسياسة النقدية، مثل مستهدف التضخم، يحتفظ البنك المركزي بحرية اختيار الأدوات المناسبة لتحقيقها، بما يضمن التوازن بين الاختيار الديمقراطي والاستقلال الفني في التنفيذ.
وأوضح أن استقلالية البنوك المركزية تواجه ثلاثة أنواع متزامنة من الضغوط؛ أولها مالي، نتيجة ارتفاع الديون العامة وأسعار الفائدة، وثانيها سياسي، مع تزايد مخاطر الهيمنة المالية ومحاولات توظيف السياسة النقدية لتخفيف أعباء تمويل الحكومات، وثالثها تكنولوجي، في ظل اعتماد البنوك المركزية على البيانات والنماذج والخدمات السحابية وشبكات الدفع، بما يثير تساؤلات جديدة حول السيادة والاستقلال.
وأكد أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليست شأنا داخليا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل تمثل منفعة عامة عالمية، موضحا أن الأسواق الناشئة ستكون من أوائل المتضررين إذا تراجعت هذه الاستقلالية.
وأشار إلى أن عددا من الاقتصادات الناشئة بنى جزءا من مصداقية سياساته النقدية على القدرة على التنبؤ بتحركات الاحتياطي الفيدرالي، وعلى إمكانية الحصول على التمويل بالدولار والاستفادة من خطوط مبادلة العملات في أوقات الأزمات.
ولفت إلى أن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في خفض أسعار الفائدة الأمريكية، بل في فقدان القدرة على التنبؤ بالسياسة النقدية. فإذا بدأت الأسواق في التشكيك في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فقد ترتفع علاوة الأجل على سندات الخزانة الأمريكية، بما ينعكس على تكلفة التمويل والتسعير في الأسواق العالمية.
وأضاف أن تقلبات الأسواق قد تكون أكثر ضررا على الاقتصادات الناشئة من مستوى أسعار الفائدة ذاته، محذرا من أن خضوع أقوى بنك مركزي في العالم للضغوط السياسية قد يشجع حكومات أخرى على السعي إلى التأثير في قرارات بنوكها المركزية. ودعا إلى حماية استقلالية هذه المؤسسات باعتبارها ركيزة للاستقرار الاقتصادي الكلي والاستقرار المالي.
وفي تعقيبه على العلاقة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، أشار أوزان إلى أن عددا من الأسواق الناشئة تحرك مبكرا لمواجهة موجات التضخم، وعمل على تعزيز احتياطياته وبناء هوامش وقائية أكبر، في ظل عالم يتسم بالتشرذم والتوترات الجيوسياسية، وصعوبة الاعتماد الكامل على خطوط مبادلة الاحتياطي الفيدرالي أو على دعم الاقتصادات الأخرى.
وأكد أن استقلالية البنك المركزي تظل حجر الزاوية للاستقرار الاقتصادي، سواء في الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة، مع ضرورة إخضاعها للمساءلة المؤسسية، مشيرا إلى أهمية شرح السياسات النقدية أمام المؤسسات التشريعية والجمهور.
- الذكاء الاصطناعي يهدد سيطرة البنوك المركزية على الأسواق والسياسة النقدية
- أسعار الذهب والفضة تتأرجح حول مستويات محورية وسط ضغوط التضخم
- 3 أسباب تجنب البنوك المركزية شبح "آرثر بيرنز"
- خبير: رفع أسعار الفائدة يستهدف احتواء التضخم وتعزيز جاذبية الادخار بالجنيه المصري
- أسعار الذهب تنخفض 16 دولارًا مع ترقب بيانات التضخم في أميركا






