القوانين موجودة، والأهداف معلنة، لكن الفجوة بين النص والميدان ما تزال قائمة، وحماية الموارد الطبيعية في الجزائر- بلد بحجم قارّة- تحتاج إلى أدوات تسبق المخالفة بدل أن تلاحقها.
اعتدنا أن نختصر ثروة الجزائر في محروقاتها ومناجمها، وكأن ما تحت الأرض وحده يستحق صفة الثروة، غير أن الرصيد الطبيعي لهذا البلد، وهو الأكبر مساحة في القارة الأفريقية، أوسع من ذلك بكثير.
تمتد الموارد الطبيعية في الجزائر إلى المياه والتربة والتكوينات الجيولوجية والغابات والشريط الساحلي، وإلى أنظمة بيئية لا نلتفت إليها إلا حين تتدهور، مع أن استقرار مجتمعات كاملة واستمرار أنشطة اقتصادية عديدة يقومان عليها.
لكن امتلاك الثروة شيء، وحسن إدارتها شيء آخر، فالمورد الذي لا يُحمى يتآكل مهما كان وفيرًا، والمساحة الشاسعة التي تمنح الجزائر هذا التنوع هي نفسها ما يجعل مراقبته أصعب.
ومع اتّساع المشروعات وتزايد الطلب على المواد الأولية، يصبح من المشروع أن نسأل: هل تواكب أدوات الرقابة والتسيير هذا الضغط المتصاعد؟
ليس في هذا السؤال إنكار لما تحقق، فالجزائر تملك إطارًا قانونيًا قائمًا ومؤسسات تعمل في الميدان، لكن التحديات تغيّرت، ومن الطبيعي أن تتطور أدوات مواجهتها معها.
ما تخفيه المخالفات الصغيرة
حين نتابع ما يُنشَر عن استخراج الرمال خارج الأطر القانونية، أو عن المفرغات العشوائية التي تنبت على أطراف المدن، أو عن نفايات صناعية تنتهي في غير أماكنها، يغلب علينا الميل إلى معاملة كل حالة بصفتها مخالفة معزولة تُعالج بمحضر معاينة وعقوبة، هذا التعامل ضروري، لكنه لا يكفي لفهم المشكلة.
فمن زاوية السياسات العامة، لا تعكس الممارسات سلوك أفراد مخالفين فحسب، بل تكشف أيضًا عن مدى فعالية الرقابة، وعن وضوح توزيع المسؤوليات بين الهيئات، وعن قدرة هذه الهيئات على التنسيق ورصد الخلل قبل أن تتراكم آثاره، فالمخالفة المتكررة في الموقع نفسه ليست مشكلة انضباط، بل مشكلة منظومة.

الرمال: المورد الذي نستهين به
يبدو الرمل للوهلة الأولى مادة عادية لا تثير القلق، يكفي أن تتوفر لقطاع البناء، لكن الاستخراج غير المنضبط، بحسب الموقع وطبيعة الوسط، قد يغيّر ديناميات الأودية ويرفع قابلية بعض المواقع للتعرية ويضرّ بالأنظمة الساحلية والنهرية.
ونبّه برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى ذلك في تقريره الصادر عام 2022 بعنوان "الرمال والاستدامة: عشر توصيات إستراتيجية لتجنُّب الأزمة"، مقدّرًا أن العالم يستهلك نحو 50 مليار طن من الرمال والحصى سنويًا، وداعيًا إلى تحسين حوكمة استخراجها واستعمالها.
أعتقد أن الملف سيزداد حساسية في الجزائر خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى استمرار الطلب على مواد البناء واتّساع المشروعات السكنية والمنشآت القاعدية.
والمسألة هنا ليست في الاختيار بين التنمية وحماية الموارد، فهذه ثنائية زائفة، فالمسألة في أن يجري الاستغلال وفق قواعد واضحة ورقابة فعلية، وأن يُراعى فيه ما تستطيع الأوساط الطبيعية تحمّله.
النفايات: حين يتحول العبء إلى قيمة
المنطق نفسه ينطبق على النفايات، فالمفرغة العشوائية ليست بداية المشكلة، بل نهايتها، فالمشكلة تبدأ منذ لحظة إنتاج النفاية، وتمرّ بطُرق جمعها وفرزها ونقلها ومعالجتها، ولا تنتهي إلا بالتحقق من وجهتها الأخيرة.
وكلما اختلّت حلقة من هذه السلسلة، انتقلت التكلفة البيئية والصحية إلى المواطن والجماعة المحلية.
من هذه الزاوية، تمثّل الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة وتثمين النفايات في أفق 2035 تحولًا في الفلسفة قبل أن تكون مجموعة أهداف.
وأعلنت وزارة البيئة طموحها إلى خفض إنتاج النفايات المنزلية وما يماثلها بنسبة 10%، وتثمين 47% منها، و47% من النفايات الخاصة، و60% من النفايات الهامدة، مع تطوير الاقتصاد الدائري وتوسيع حضور القطاع الخاص وخلق فرص عمل في الجمع والفرز والتدوير، أي إننا ننتقل من سؤال "كيف نتخلص من النفايات؟" إلى سؤال "كيف نستعيد ما فيها من قيمة؟".
وهناك ما يمكن البناء عليه، فقد نقلت وكالة الأنباء الجزائرية أن هناك أكثر من 3000 مؤسسة ناشئة ومصغّرة تنشط في تسيير النفايات عبر التراب الوطني، وأن أكثر من 197 ترخيصًا لجمع النفايات القابلة للتدوير صدرت خلال سنة 2025.
هذه أرقام تبعث على التفاؤل، لكن القراءة لها تكون حذرة، فوجود آلاف المؤسسات لا يعني بالضرورة وجود قطاع متكامل.
وأتوقع أن يمرّ هذا النشاط في السنوات القليلة المقبلة بمرحلة غربلة: ستنمو المؤسسات التي تجد مكانها داخل منظومة محلية منظّمة تضمن لها كميات منتظمة ومنافذ واضحة، في حين ستجد مؤسسات أخرى صعوبة في الاستمرار إذا بقيت تعمل على هامش المنظومة. ولهذا فإن نجاح سياسة النفايات لا يُقاس بما تنقله الشاحنات أو تستقبله مراكز الردم، بل بما نمنع إنتاجه أصلًا، وما نستعيده من مواد، وما نتجنّبه من مخاطر.

النص موجود.. فأين الحلقة الناقصة؟
لا يمكن القول، إن إدارة الموارد الطبيعية في الجزائر تفتقر إلى النصوص، فالقانون رقم 03-10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة يؤطّر حماية الموارد والوقاية من التلوث ومعاينة المخالفات والعقوبات، وجاء القانون رقم 25-12 المؤرخ في 3 أغسطس/آب 2025، المنظّم للأنشطة المنجمية، ليضبط شروط الاستغلال ويُلزم بالمحافظة على المواقع وإعادة تأهيلها.
الحلقة التي تحتاج إلى تقوية هي المسافة بين النص والميدان، فالرقابة الفعلية تتطلب بيانات دقيقة عن مواقع الاستغلال المرخّصة وحدودها وحالتها بعد انتهاء النشاط، وتتطلب تنسيقًا سلسًا بين قطاعات البيئة والمناجم والجماعات المحلية، وتتطلب في ملف النفايات قدرة على تتبُّع المسار والتمييز بين ما هو مرخّص وما هو مخالف. وتطوير الحوكمة لإدارة الموارد الطبيعية في الجزائر بهذا المعنى لا يعني استبدال القوانين القائمة، بل تقييم تطبيقها بصدق، وتحديد العوائق العملية التي تعترضه، ثم بناء الأدوات القادرة على تجاوزها.
من ملاحقة المخالفة إلى استباقها
بلد بمساحة الجزائر لا يمكن مراقبته بالزيارات الميدانية وحدها، مهما بلغت كفاءة الأعوان، وأرى أن الانتقال نحو رقابة مدعومة بنظم المعلومات الجغرافية وصور الأقمار الاصطناعية وقواعد البيانات المحدّثة لم يعد خيارًا، بل مسارًا ستفرضه الضرورة في السنوات المقبلة.
فمقارنة خرائط التراخيص بصور المواقع الفعلية تكفي لكشف توسّع غير معتاد في مقلع أو مرملة، وتوحيد بيانات النفايات يسمح بقياس الفجوة بين ما يُجمع وما يُعالج، ومن ثمّ تقدير ما قد ينتهي في مواقع غير مرخّصة.
والأساس متوفر جزئيًا، إذ تعرض الوكالة الوطنية للنفايات مشروع النظام الوطني للمعلومات حول النفايات أداةً لدعم القرار، بمؤشرات تخصّ إنتاج النفايات وجمعها وتغطية السكان بالخدمة والكميات المستقبَلة في مراكز الردم التقني وتوزيع منشآت المعالجة.
إن تطوير هذا النظام وإتاحة بياناته بانتظام قد يكون من أكثر الخطوات أثرًا في نقل الرقابة من ردّ الفعل إلى الاستباق، وتوجيهها نحو المواقع الأكثر هشاشة.
ويبقى للجماعات المحلية دور لا يعوّضه أيّ نظام معلوماتي، بحكم قربها من المشكلات اليومية، لكن هذا القرب يفقد قيمته إذا لم تُرافقه مسؤوليات واضحة وتنسيق مع الهيئات القطاعية وموارد بشرية وتقنية كافية ومؤشرات تتيح قياس النتائج ومقارنتها بين المناطق.
والأمر نفسه يصدق على المواطن والمؤسسة الاقتصادية: فالتوعية لا تُغيّر السلوك إذا غابت خدمة الجمع المنتظمة والبدائل العملية، والردع يفقد معناه حين يصعب تتبُّع المخالفة أو إثبات استمرارها.
خيار إستراتيجي لا ملف قطاعي
الرهان البيئي في الجزائر ليس منفصلًا عن رهانات التنمية والأمن الاقتصادي والاجتماعي، فاستنزاف مورد أو تدهور وسط طبيعي يعني أعباء مالية وصحية، وتراجعًا في خدمات بيئية تعتمد عليها الفلاحة والسياحة والمدن ذاتها.
ولهذا أرى أن حماية الموارد الطبيعية ينبغي أن تُدرَج في صميم التخطيط الإستراتيجي للدولة، وأن تُبنى على تنظيم الاستغلال والرقابة الفعالة والبيانات الموثوقة والوقاية وإعادة تأهيل المواقع المتضررة، مع تقييم السياسات بنتائج قابلة للقياس.
تملك الجزائر التنوع الطبيعي والموارد الواسعة، وتملك معهما فرصة حقيقية لبناء نموذج وطني متكامل في إدارة هذه الثروة.
والتحدي اليوم هو ردم الفجوة بين القاعدة القانونية والأداة التنفيذية، وبين الهدف المُعلَن والنتيجة على الأرض، فالسياسة البيئية الناجحة لا تُعرَف بقدرتها على معاقبة المخالفة بعد وقوعها، بل بقدرتها على منع تكرارها، وتقليص كلفتها، وضمان أن تبقى الموارد الطبيعية رصيدًا للتنمية، لا عبئًا كان في الإمكان تجنّبه.
* د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة عرب بريس.
- 5 خبراء من الاقتصاد والقانون والتمويل فى مجلس إدارة الرقابة المالية الجديد حتى 2030
- نحتاج لإصلاح القوانين أم الإدارة… خبير لـ”الوطن”: التشريعات وحدها لا تكفي
- من مقلب قمامة إلى متنزه، تجربة مصرية تلهم الجزائر في إدارة المخلفات
- واعظة جزائرية تودع مصر بالدموع.. اعرف القصة
- مصر والكونغو يبحثان التعاون في تطوير إدارة المياه والتكيف مع التغيرات المناخية






