توصّل بحث علمي دولي إلى تطوير منظومة ذكية لاكتشاف أعطال خطوط نقل الكهرباء فائقة الجهد، بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة الإشارات الكهربائية، محققًا دقة تصل إلى 100% في اكتشاف الأعطال، وزمن استجابة يبلغ 7.5 مللي ثانية في اختبارات المحاكاة.
وقدّم البحث، المنشور في مجلة الأنظمة الكهربائية والطاقة (International Journal of Electrical Power & Energy Systems)، إطارًا تقنيًا يجمع بين تحليل المويجات والشبكات العصبية ذاتية الترميز وخوارزميات التجميع، بهدف التمييز بين حالات التشغيل الطبيعي والأعطال، ثم تحديد أنماطها وتصنيفها، بما يدعم تطوير أنظمة حماية أكثر سرعة وموثوقية.
وشارك في الدراسة الباحث بقسم إلكترونيات الطاقة العالية وتحويل الطاقة في معهد بحوث الإلكترونيات المصري، الدكتور محمد صابر التهامي، إلى جانب فريق بحثي يضم باحثين من مؤسسات علمية في مصر وعدد من الدول الأخرى.
ونُشر البحث -الذي اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- في دورية علمية تصدر عن دار النشر العالمية "إلسيفير" (Elsevier)، المُصنّفة ضمن الفئة الأولى (Q1) في تخصصات هندسة الكهرباء والطاقة.
أعطال خطوط نقل الكهرباء
تُعدّ خطوط نقل الكهرباء بالتيار المستمر عالي الجهد، ولا سيما الأنظمة المعتمدة على محولات مصادر الجهد، من التقنيات المهمة لنقل كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية عبر المسافات الطويلة، وربط الشبكات غير المتزامنة، فضلًا عن دعم نقل الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة ودمجها في الشبكات الحديثة.
غير أن اكتشاف الأعطال في هذه الأنظمة يمثّل تحديًا هندسيًا؛ نظرًا إلى أن التأخر في رصد العطل وتحديد طبيعته قد يؤثر في استقرار الشبكة، ويرفع احتمالات انقطاع الكهرباء، فضلًا عن زيادة تكاليف التشغيل والصيانة.
ومن هنا، استهدف الباحثون تطوير منظومة تستطيع تحليل الإشارات الكهربائية والتعرف إلى التغيرات التي تصاحب وقوع أعطال في خطوط نقل الكهرباء بسرعة، دون الاعتماد على نماذج تقليدية تتطلّب معرفة مسبقة بجميع أنماط الأعطال.

استعمال الذكاء الاصطناعي
تعتمد التقنية المطوّرة على 3 أدوات رئيسة تعمل بصورة متكاملة، تبدأ بتحليل الإشارات الكهربائية واستخلاص خصائصها، ثم التعرف إلى الأنماط غير الطبيعية، وصولًا إلى تجميع حالات الأعطال وتصنيفها.
وتتمثّل الأداة الأولى في تحويل المويجات المتقطعة، التي تتيح تحليل الإشارات الكهربائية في المجالَيْن الزمني والترددي، واستخلاص الخصائص المرتبطة بالتغيرات السريعة التي تحدث عند وقوع العطل، بما يساعد على رصد المؤشرات الدقيقة المصاحبة له.
أما الأداة الثانية فتتمثل في الشبكات العصبية ذاتية الترميز، التي تعتمد على التعلم من أنماط الإشارات المرتبطة بالتشغيل الطبيعي للشبكة، ثم إعادة بناء هذه الإشارات ومقارنة النتائج بالبيانات الأصلية.
وعندما تظهر اختلافات كبيرة في عملية إعادة البناء، يمكن للمنظومة التعامل معها بوصفها مؤشرًا على وجود حالة غير طبيعية تستدعي الفحص.
وتأتي بعد ذلك خوارزمية التجميع كيه-مينز، التي تتولى تجميع الحالات المتشابهة وتصنيف الأعطال اعتمادًا على الخصائص التي استخرجتها المراحل السابقة، دون الحاجة إلى تزويد الخوارزمية مسبقًا بتصنيفات الأعطال خلال عملية التجميع.
ولزيادة كفاءة المنظومة عند تغير ظروف التشغيل، أضاف الباحثون آلية للعتبة التكيفية تستند إلى أسلوب تحليل التمييز الإحصائي التكيفي، بهدف تحسين اكتشاف الأعطال عند الانتقال بين بعض تكوينات أنظمة النقل المختلفة، والحد من الإنذارات الكاذبة.
واختبر الفريق البحثي هذه المنهجية باستعمال نماذج محاكاة لأنظمة عمل خطوط نقل الكهرباء بالتيار المستمر عالي الجهد، مع دراسة تأثير عدد من المتغيرات، من بينها مقاومة العطل وطول خط النقل والضوضاء ومواقع الأعطال والتغيرات في تكوين النظام.
دقة اكتشاف الأعطال
أظهرت نتائج المحاكاة قدرة المنظومة المقترحة على تحقيق مؤشرات أداء مرتفعة في اكتشاف أعطال خطوط نقل الكهرباء وتصنيفها، مع تسجيل دقة بلغت 100% في اكتشاف الأعطال ضمن حالات الاختبار التي تناولتها الدراسة.
ولم تقتصر النتائج على دقة الاكتشاف، إذ حقّقت مرحلة تصنيف الأعطال دقة بلغت 98.78%، بما يعكس قدرة خوارزمية التجميع على التمييز بين أنماط الأعطال المختلفة اعتمادًا على الخصائص المستخرجة من الإشارات الكهربائية.
ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون -أيضًا- انخفاض زمن اكتشاف العطل إلى 7.5 مللي ثانية، وهو ما يمثّل ميزة مهمة في تطبيقات حماية الشبكات الكهربائية، التي تتطلّب استجابة سريعة للتغيرات المفاجئة لتجنّب امتداد تأثير العطل إلى أجزاء أخرى من النظام.
وامتدت الاختبارات إلى التعامل مع مقاومات أعطال وصلت إلى 2000 أوم، بما يبرز قدرة المنهجية على رصد مجموعة واسعة من ظروف الأعطال، بما فيها الحالات التي قد يصعب اكتشافها باستعمال العتبات الثابتة وحدها.
كما شملت الدراسة اختبار المنظومة على تكوينات مختلفة لخطوط نقل الكهرباء، تضمّنت الأنظمة أحادية وثنائية القطب.
وتناولت -كذلك- إمكان تطبيق المنهجية على نظام ثنائي القطب باستعمال العتبة التكيفية، دون إعادة تدريب نموذج الترميز الذاتي خلال مرحلة الاختبار المحددة، إلى جانب إجراء اختبارات إضافية بعد إعادة تدريب النموذج على بيانات النظام ثنائي القطب.
وتشير هذه النتائج إلى قدرة المنهجية على التعامل مع اختلافات ظروف التشغيل وتكوينات النظام، مع الحفاظ على مستوى مرتفع من أداء الاكتشاف والتصنيف في سيناريوهات الاختبار التي تناولها البحث.
ومع ذلك، فإن مؤشرات الدقة وزمن الاستجابة الواردة في الدراسة تعكس نتائج المحاكاة، ولا تعني بالضرورة تحقيق الأداء نفسه عند تطبيق التقنية مباشرة على شبكات الكهرباء الفعلية، إذ يتطلّب ذلك إجراء اختبارات تجريبية وميدانية إضافية.
تعزيز حماية شبكات الكهرباء
تتمثّل إحدى الإضافات المهمة التي يقدمها البحث في الجمع بين اكتشاف الأعطال وتصنيفها ضمن إطار واحد، مع تقليل الاعتماد على القياسات المتزامنة من طرفَي خط النقل؛ إذ تستند مرحلة اكتشاف العطل إلى إشارات التيار المقاسة عند طرف الإرسال.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية في تطوير أنظمة حماية خطوط نقل الكهرباء، إذ تتيح الاستفادة من البيانات المتاحة عند أحد طرفَي الخط في مرحلة الاكتشاف، بدلًا من اشتراط توافر قياسات متزامنة من الطرفَيْن لهذه المرحلة.

كما يساعد دمج تحليل المويجات مع الشبكات العصبية وخوارزميات التجميع على استخلاص معلومات أكثر تفصيلًا من الإشارات الكهربائية، والتعرف إلى التغيرات المرتبطة بالأعطال في ظل اختلاف مقاوماتها ومواقعها ومستويات الضوضاء.
ومن شأن هذا النهج أن يفتح المجال أمام تطوير حلول حماية ذكية وأكثر مرونة، بما يدعم موثوقية شبكات الكهرباء، خاصة مع التوسع في مشروعات الربط الكهربائي ونقل الطاقة لمسافات طويلة، وزيادة الاعتماد على تقنيات التيار المستمر عالي الجهد.
- فوز فرانسيس هالزن بجائزة نوبل الفيزياء 2026 لاكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة
- أنس الحجي: أمن الطاقة له تكلفة.. وهذه تداعيات الانتخابات الأميركية
- رئيس مدينة رأس غارب تبحث مع البنك الدولي وأمونيت للطاقة دعم المشاركة المجتمعية
- وزير الصحة يعلن اكتشاف إصابتين بشلل الأطفال في دير الزور.. ويؤكد بدء الاستجابة وحملات التلقيح
- طارق الملا: مراجعة طرح شركات البترول بالبورصة للحفاظ على الأصول الاستراتيجية






