لم يعد ترشيد الإنفاق العام مجرد إجراء لضبط المصروفات، بل بات اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة الحكومية على إعادة ترتيب أولويات الموازنة، والانتقال من الإنفاق الاستهلاكي إلى الإنفاق الذي ينعكس على التنمية والخدمات.
وبين خفض الهدر وحماية القطاعات الأساسية، تبرز أهمية تحويل الأموال الموفّرة إلى استثمارات ومشاريع إنتاجية، بحيث لا يكون الترشيد تقليصاً للإنفاق فحسب، وإنما إعادة توجيه للمال العام نحو ما يحقّق عائداً اقتصادياً واجتماعياً أكبر.
الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، قال: إن قرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية السورية وبلاغ وزارة المالية الأخير الصادر في شهر أيلول الجاري بالتوجّه نحو ترشيد الإنفاق العام يمكن قراءته كخطوة تصحيحية عاجلة لمعالجة الخلل الهيكلي في تنفيذ الموازنة، بالتوازي مع تساوي النفقات الإدارية الاستهلاكية مع الإنفاق الاستثماري التنموي بنسبة تقرب من 28 بالمئة لكل منهما.
اعتراف بوجود هدر
وبيّن في تصريح لـ”الوطن” أن قرار ترشيد الإنفاق يعد اعترافاً رسمياً بوجود هدر وتضخّم في بنود الإنفاق غير المنتج على حساب التنمية والرواتب، ويمكن تقييمه من خلال نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى أنه يعتبر خطوة إيجابية ومبررة اقتصادياً باعتبار أن خفض مخصّصات الوقود بنسبة 30 بالمئة وتجميد شراء السيارات والأثاث سيوفر كتلاً مالية ضخمة تذهب عادة للاستهلاك الترفي الإداري، أما النقطة الثانية فتتمحور حول تأخر المعالجة والرقابة اللاحقة على اعتبار أن القرار جاء كرد فعل بعد انقضاء النصف الأول من العام وبروز الخلل بالأرقام، وكان الأجدى وجود ضوابط مسبقة تمنع وصول الإنفاق الإداري إلى حاجز الـ 1.03 مليار دولار.
انعكاسه على الأداء الحكومي
وأضاف: يحمل هذا القرار انعكاسات مزدوجة (إيجابية وسلبية) على الأداء الحكومي اليومي، الانعكاسات الإيجابية تتمحور حول إعادة توجيه الموارد، من خلال توجيه الوفر للاستثمار عبر ضخ المبالغ المقتطعة من الوقود والسيارات في مشاريع الإنفاق الاستثماري المتوقّفة مثل محطات الطاقة وشبكات المياه وصيانة المدارس، ودعم القدرة الشرائية باعتبار أن الوفر قد يسهم في تمويل زيادات مستقبلية على بند الرواتب والأجور لتحسين معيشة الموظفين.
اما الانعكاسات السلبية فتتركز، بحسب عياش، حول مخاطر البيروقراطية المحتملة من القرار، مثل بطء الحركة الميدانية باعتبار أن تقليص وقود الآليات بنسبة 30 بالمئة قد يحد من الجولات التفتيشية والميدانية للمسؤولين والمراقبين، مما يضعف الرقابة على الأسواق والمشاريع، وإهمال الصيانة باعتبار أن تجميد المصاريف قد يمتد في حال الممارسة الخاطئة إلى إهمال صيانة الأصول الحكومية القائمة كالمباني والآلات، مما يرفع كلفة إصلاحها مستقبلاً.
المطلوب لنجاح الترشيد
وختم عياش حديثه بالقول: لكي ينجح الترشيد من دون التأثير في قطاعات الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والنقل، يجب على الحكومة اعتماد عدة مبادئ أبرزها الترشيد الذكي والانتقائي، أي عدم تطبيق نسبة الـ30 بالمئة على كل القطاعات، بحيث تجب حماية آليات الخدمة المباشرة مثل سيارات الإسعاف والإطفاء و حافلات النقل الداخلي وآليات النظافة وتركيز الاقتطاع على السيارات “المخصصة” للمسؤولين والمديرين الإداريين والخدمة، والتحوّل الرقمي السريع عبر الاستعاضة عن المراسلات الورقية، والمعاملات التقليدية، والاجتماعات التقليدية بين المحافظات بالأنظمة الإلكترونية مثل الفيديو كونفرانس والبريد الشبكي، مما يلغي نفقات القرطاسية، والمحروقات، وضيافة المؤتمرات، إضافةً الى اعتماد مبدأ الحوكمة والشفافية من خلال ربط مخصّصات أي جهة حكومية بمؤشرات أداء فعلية، بحيث يُكافأ المدير الذي يبتكر حلولاً موفّرة للطاقة، ويُحاسب من يتجاوز السقوف المحدّدة، فضلاً عن الاعتماد على الطاقة المتجدّدة من خلال إسراع الجهات العامة في تركيب منظومات الطاقة الشمسية للمباني الحكومية، مما يقلل الهدر في فاتورة تشغيل المكاتب والإنارة نهاراً، ويوفّر مخزون الوقود للحالات الطارئة.20:04








0 تعليق