على مدى أكثر من ستة عقود، بقيت أغنية «أيظن» حاضرة في ذاكرة الغناء العربي، مستندة إلى اجتماع ثلاثة أسماء تركت بصمتها في تاريخ الموسيقى العربية، هي الشاعر السوري نزار قباني، والموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، والفنانة نجاة الصغيرة ذات الأصول السورية والنشأة الفنية المصرية.
ولم تكن ولادة الأغنية مجرد لقاء بين قصيدة وملحن ومطربة، إذ ارتبطت حكايتها أيضاً بمرحلة شهدت تقارباً ثقافياً وفنياً بين سوريا ومصر خلال فترة الجمهورية العربية المتحدة، لتصبح الأغنية واحدة من الأعمال التي جمعت المواهب السورية والمصرية في تجربة فنية واحدة.
اختيرت القصيدة للعمل للشاعر الدمشقي نزار قباني، الذي سبق أن عمل دبلوماسياً في القاهرة، قبل أن يصل النص إلى نجاة الصغيرة، التي وجدت فيه مادة شعرية مختلفة تحتاج إلى معالجة موسيقية خاصة، وفي تلك الفترة، كان قباني يعمل سفيراً لسوريا في الصين، لتبدأ القصيدة رحلتها من الورق إلى عالم الغناء.
ولم تكن المهمة سهلة، إذ تشير الروايات المتداولة إلى أن عدداً من الملحنين اعتذروا عن تلحين النص بسبب صعوبة مفرداته وكثافة صوره الشعرية، قبل أن يتولى محمد عبد الوهاب المهمة ويضع للقصيدة لحناً اتسم بالمرونة والحرية الإيقاعية.
ففي معظم مقاطع الأغنية لم يلتزم اللحن بإيقاع ثابت، بينما حضرت الإيقاعات المنتظمة في أجزاء محددة، بما خدم البناء الشعري وأتاح للصوت مساحة واسعة للتعبير عن تفاصيل النص وانفعالاته.
ظهرت «أيظن» إلى الجمهور في مطلع ستينيات القرن الماضي، وسرعان ما وجدت طريقها إلى الانتشار، فيما كان صاحب الكلمات بعيداً عن القاهرة، وتحكي نجاة الصغيرة أنها تلقت رسالة عتاب من نزار قباني عام 1960، بعدما ذاعت الأغنية بينما كان الشاعر مقيماً في الصين.
وحسب رواية نجاة، عبّر قباني عن أسفه لأنه لم يكن حاضراً لسماع قصيدته وهي تتحول إلى أغنية للمرة الأولى، مستخدماً في رسالته تشبيهاً طريفاً، إذ وصف الأغنية بمثابة «مولود» شاهده الآخرون بينما بقي الأب بعيداً في بكين.
ولم تتوقف حكاية «أيظن» عند نجاح العمل، إذ مهدت الأغنية الطريق أمام تعاونات أخرى بين نزار قباني ونجاة الصغيرة ومحمد عبد الوهاب، من بينها «ماذا أقول له»، و«إلى حبيبي»، و«ارجع إلي»، و«أسألك الرحيل».
وقد شكّلت «أيظن» نقطة تحول في علاقة شعر نزار قباني بالغناء، بعدما انتقلت قصائده من صفحات الدواوين إلى أصوات أبرز المطربين العرب، لتبدأ مرحلة جديدة في حضور تجربته الشعرية داخل المشهد الغنائي.
وبعد مرور أكثر من ستة عقود على ظهورها، لا تزال «أيظن» تستعيد حضورها كلما عادت الذاكرة إلى زمن القصيدة المغناة، حيث اجتمع شعر نزار قباني مع موسيقى محمد عبد الوهاب وأداء نجاة الصغيرة، في تجربة فنية عابرة للحدود، جمعت بين دمشق والقاهرة، وأثبتت قدرة الأغنية العربية على تحويل القصيدة إلى مساحة يلتقي فيها الشعر بالموسيقى والصوت.
- جيشك وشعبك يرد التحدى.. حكاية رايات النصر التى تنبأت بانتصار أكتوبر قبل الحرب بعام
- شطب 7 أطباء أسنان جدد.. و”نقيب دمشق” يكشف التفاصيل
- بعد تكريمها في حمص.. منى واصف: لا يمكن التخلي عن الوطن أو التفريط بأي جزء منه
- بعد 14 عامًا من الغياب، أشهر أغاني فضل شاكر قبل عودته إلى المسرح
- حكاية من زمن فات.. طفلة فى السادسة أنقذت حفل كوكب الشرق فأصبحت نجاة الصغيرة






