نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أبو فراس الحمداني: فارس الشعر وأسير المجد, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 06:51 مساءً
النسب والنشوء: بين الإمارة والفروسية
اسمه الكامل الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، ولد في الموصل لأسرة نبيلة ذات بأس وسلطان، هي أسرة بني حمدان الذين أقاموا إمارتهم في شمال العراق وسوريا. نشأ أبو فراس في بيئة يغمرها المجد والسيف، فشب فارسا مقداما، لا يخشى القتال ولا يأنف من الموت في سبيل الكرامة. تلقى علوم العربية والأدب في صباه، ثم قربه ابن عمه سيف الدولة الحمداني، فجعله من خاصته وقادة جنده، وولاه إمارة منبج، فكان حاكما شجاعا وشاعرا مطبوعا، يجمع بين السلطة والقلم، وبين الكرامة والعاطفة.
أم كريمة رومية الأصل
كانت أمه رومية حرة ذات حسب وجمال وذكاء، أسلمت وتزوجت من الأمير الحمداني، فأنجبت أبا فراس وربته على مكارم الأخلاق ومعاني النبل. كانت تحبه حبا عظيما، فغذته بالحنان كما غذته بالقيم. ولما أسر ابنها في بلاد الروم، كانت تتألم لفراقه وتتمنى رؤيته، ولكنها توفيت وهو ما يزال أسيرا في قلعة خرشنة، فوقع خبر موتها عليه كالصاعقة. فانفجر شعره بالدمع والحنين، ورثاها بقصائد يقطر منها الألم والعجز عن الوداع، إذ يقول في «رومياته»:
أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا!
الشاعر الفارس والأسير النبيل
لم يكن أبو فراس شاعر ترف ولا صاحب مديح، بل كان شاعر العزة والمبدأ. خاض معارك ضارية ضد الروم دفاعا عن الإمارة الحمدانية، فأسر في إحدى الوقائع سنة 348هـ، وحمل إلى قلعة خرشنة، فمكث سبع سنين في الأسر. وهنالك ولدت أروع قصائده التي عرفت باسم الروميات، وفيها صور معاني الصبر والكبرياء والحنين، وأطلق كلمته الخالدة:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
شاعر العاطفة والكبرياء
امتاز شعر أبي فراس بصدق وعذوبة نادرتين، جمع فيه بين رقة الإحساس وعزة النفس. كان ينظم في الغزل والحكمة والرثاء، ولكن نبرة الكرامة تبقى خيطا ناظما لكل شعره. لم يتصنع ولا يتزلف، بل كان شعره صوت نفس حرة تتنفس الإيمان والعزة والألم.
النهاية والإرث
عاد بعد أسره إلى الموصل، ولكن الخلاف بينه وبين ناصر الدولة الحمداني كان سببا في مقتله سنة 357هـ. رحل وهو في أوج شبابه، وترك ديوانا زاخرا يعد من أجمل ما كتب في الأدب العربي قبل العصر العباسي المتأخر.
خلف أبو فراس ديوانا واحدا جمع فيه شعره بعد وفاته، وهو يعرف باسم «ديوان أبي فراس الحمداني»، وقد ضم أشهر قصائده في الغزل والرثاء والحكمة والروميات. أكثر ما يتداول منه نسخة المحقق أحمد صفي النجفي، وأخرى موثقة صدرت عن مجمع اللغة العربية في دمشق.
أما المصادر التي تناولت سيرته وأدبه فهي كثيرة، من أبرزها:
- «أبو فراس الحمداني: شاعر الحرب والحب» للدكتور شوقي ضيف.
- «الحياة الشعرية عند أبي فراس» لمحمد مصطفى همام.
- «روميات أبي فراس الحمداني: دراسة في التجربة الإنسانية» للدكتور نازك حسن.
- «الأدب الحمداني بين سيف الدولة وأبي فراس» لمحمد زغلول سلام.

















0 تعليق