نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
(البيوع الصورية) في الفقه والمعايير والقرارات الشرعية, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 06:51 مساءً
تعد المعاملات المالية من أكثر أبواب الفقه اتصالا بحياة الناس اليومية، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتنظيمها تنظيما دقيقا يحقق العدل ويحفظ الأموال ويمنع الظلم والغش والتحايل. ومن القواعد الكلية المقررة في هذا الباب أن العقود لا تعتبر بمجرد صورها وألفاظها، وإنما تعتبر بحقائقها ومقاصدها وآثارها. ومع تطور المعاملات المالية المعاصرة، ظهرت صور متعددة لما يعرف بالبيوع الصورية، وهي بيوع ظاهرها الصحة وباطنها مخالف لمقصود العقد الشرعي. ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة البيوع الصورية وحكمها الشرعي، مع ربط ذلك بأقوال الفقهاء، ونصوص معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، وقرارات المجامع الفقهية المعاصرة، كالتالي:
أولا: مفهوم البيوع الصورية:البيع الصوري هو عقد بيع ينشأ في الظاهر مستكملا أركانه وشروطه الشكلية، دون قصد حقيقي لنقل الملكية أو ترتيب آثار البيع الشرعية، وإنما يقصد به غرض آخر غير مقصود للعقد في أصله، كالحصول على النقد، أو التحايل على الربا، أو التهرب من الالتزامات الشرعية أو النظامية. ومناط الصورية في هذا النوع من البيوع هو انفصال القصد والحقيقة العملية عن صورة العقد.
ثانيا: كلام الفقهاء لمنع البيوع الصورية:قرر الفقهاء أن القصد معتبر في العقود، وأن مخالفة المقاصد الشرعية مؤثرة في الحكم على العقد، ولو استوفيت أركانه وشروطه في الظاهر. وقد تقررت القاعدة الفقهية المعروفة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. وهذه القاعدة أصل عظيم في منع التحايل والصورية في المعاملات، وهي مندرجة تحت القاعدة الكبرى (الأمور بمقاصدها).
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ذلك بقوله: الأعمال بالنيات، فكل من قصد بعقده ما حرمه الله ورسوله لم يبح له ذلك العقد، وإن كان في ظاهره عقدا صحيحا. وقال أيضا: الحيل التي يتوصل بها إلى إسقاط الواجبات أو فعل المحرمات محرمة باتفاق المسلمين.
وقال ابن القيم رحمه الله: الحيل نوعان: حيل محرمة، وهي التي يتوصل بها إلى إسقاط واجب أو تحليل محرم، فهذه محرمة باتفاق العلماء.
وقال القرافي من المالكية رحمه الله: كل عقد صور بصورة جائزة وقصد به محرم، فذلك المحرم هو المعتبر لا صورة العقد.
وقال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: وإنما تعتبر العقود بما قصد بها، لا بمجرد ألفاظها.
وهذه النقول صريحة في أن البيوع الصورية غير معتبرة شرعا إذا ثبت انتفاء القصد الصحيح.
ثالثا: صور البيوع الصورية في الواقع المعاصر:من أبرز صور البيوع الصورية: البيع للتحايل على الربا، كإظهار عقد بيع لتغطية قرض ربوي؛ والبيع الصوري لإخفاء الأموال عن الدائنين؛ والبيع الذي لا يترتب عليه قبض ولا انتقال ضمان؛ وبعض صور التورق والمرابحة التي لا يتحقق فيها التملك الحقيقي.
رابعا: البيوع الصورية في ضوء معايير أيوفي:أكدت معايير أيوفي على منع الصورية في العقود المالية، وإن لم تذكر المصطلح صراحة، وذلك من خلال اشتراط التملك الحقيقي، والقبض المعتبر، وتحمل الضمان.
ففي معيار المرابحة للآمر بالشراء رقم (8) نصت أيوفي على أنه لا يجوز للمؤسسة أن تبيع سلعة مرابحة إلا بعد تملكها تملكا حقيقيا ودخولها في ضمانها، وأن العبرة في التملك والقبض بالواقع لا بالقيود والمستندات الشكلية.
وفي معيار التورق رقم (30) قررت أيوفي أن التورق المنظم غير جائز إذا كان الغرض منه الحصول على النقد مع بقاء السلعة صورية في المعاملة، أو إذا وجدت ترتيبات مسبقة تؤدي إلى رجوع السلعة إلى البائع الأول.
وفي معيار الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك رقم (9) اشترطت أيوفي أن يكون المؤجر مالكا للأصل المؤجر متحملا تبعة هلاكه، ومنعت أن تكون الإجارة مجرد غطاء شكلي لتمويل نقدي.
خامسا: البيوع الصورية في قرارات المجامع الفقهية:جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (179) بشأن التورق المنظم: أن التورق المنظم الذي تجريه بعض المؤسسات المالية غير جائز شرعا؛ لاشتماله على صورية العقود، وعدم تحقق التملك الحقيقي، وكونه ذريعة إلى الربا. كما قرر المجمع أن العبرة في العقود بحقيقتها ومآلاتها لا بصورها وأسمائها.
كما أكد المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في قراراته أن العقود التي يقصد بها التحايل على الربا أو إسقاط الواجبات الشرعية لا يعتد بها شرعا، ولو استكملت صورتها الظاهرة، وأن كل معاملة ظاهرها الحل وحقيقتها التحريم فهي محرمة.
سادسا: الآثار المترتبة على البيوع الصورية:يترتب على البيوع الصورية بطلان العقد أو تحريمه، وعدم مشروعية الأرباح الناتجة عنه، والإثم المترتب على الغش والتحايل، إضافة إلى الإضرار بمصداقية المالية الإسلامية، وتعريض المؤسسات للمساءلة الشرعية والرقابية.والخلاصة: فإن البيوع الصورية محرمة وغير معتبرة شرعا، وإن هذا الحكم مبني على أدلة شرعية، وقواعد فقهية، ونصوص صريحة من أقوال الفقهاء، ومؤكد بنصوص معايير أيوفي وقرارات المجامع الفقهية.
ويؤكد ذلك أن الالتزام بحقيقة العقود ومقاصدها هو جوهر المالية الإسلامية، وأن الاكتفاء بالصور الشكلية يفرغ المعاملات من مقاصدها الشرعية.
omar_alsaadoun_@


















0 تعليق