تقدم النائب الدكتور محمد مجدي فريد، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين وحزب الإصلاح والتنمية، بطلب إحاطة إلى كل من رئيس مجلس الوزراء، ووزير العدل، ووزير شئون المجالس النيابية، بشأن غياب تقييم الأثر التشريعي المسبق، وتكرار تعديل القوانين وإرجاء نفاذها، بما يثير تساؤلات حول كفاءة إعداد التشريعات، ومدى الاستعداد المؤسسي والمالي والتنظيمي لتطبيقها قبل إلزام المواطنين بأحكامها.
وقال فريد، تعليقًا على طلب الإحاطة: «ماينفعش نكتشف تكلفة التشريع بعد ما نُلزم الناس به»، مؤكدًا أن التشريع لا ينبغي أن يصدر بمعزل عن دراسة واقعية لتكلفة تنفيذه، والآثار المترتبة عليه، وقدرة الجهات المعنية على تطبيقه، محذرًا من أن معالجة عيوب القوانين بعد صدورها تفرض أعباء إضافية على المواطنين ومؤسسات الدولة، وتؤثر سلبًا في استقرار البيئة القانونية.
تأجيل قانون الإجراءات الجنائية يكشف خلل الاستعداد للتنفيذ
وأوضح النائب أن موافقة مجلس النواب، في جلسته غير العادية بتاريخ 30 سبتمبر 2026، على إرجاء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025 حتى أول أكتوبر 2027، قبل يوم واحد من الموعد المقرر لسريانه، تمثل مثالًا واضحًا على خطورة عدم استكمال الاستعدادات اللازمة قبل إصدار التشريعات، إذ جاء التأجيل بسبب عدم اكتمال البنية التكنولوجية والتنظيمية وتدريب الكوادر المطلوبة للتطبيق.
وأشار إلى أن جاهزية التنفيذ كانت من أسباب الاعتراض على مشروع القانون في سبتمبر 2025، ورغم ذلك مر نحو 11 شهرًا بين إصدار القانون وموعد سريانه دون استكمال المتطلبات الضرورية، وهو ما يطرح ضرورة وجود آلية مؤسسية تتحقق مسبقًا من قدرة الجهات المعنية على تنفيذ القوانين قبل تحديد مواعيد إلزامية لنفاذها.
وأضاف أن هذه الواقعة ليست منفصلة عن نمط متكرر في عدد من التشريعات، إذ سبق إرجاء تطبيق تعديلات قانون الشهر العقاري رقم 186 لسنة 2020 قبل أيام من موعد نفاذها، بسبب أعباء مالية وإجراءات لم تُدرس بصورة كافية قبل الإصدار.
ولفت إلى أن قانون التصالح في مخالفات البناء صدر عام 2019، ثم عُدّل عام 2020، واستُبدل بقانون جديد عام 2023، مع طرح تعديلات جديدة عليه خلال عام 2026. كما شهد قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 تعديلات في عامي 2019 و2023، وأحالت الحكومة تعديلات أخرى عليه في أكتوبر 2024، وأدرجه مجلس الشيوخ للمراجعة في مارس 2026.
وفي ملف التأمينات الاجتماعية، أوضح فريد أن اللائحة التنفيذية للقانون رقم 148 لسنة 2019 صدرت بعد نحو عامين من صدوره، قبل أن يُعدّل القانون عام 2024، ثم مرة أخرى بالقانون رقم 11 لسنة 2026، بما يعزز أهمية مراجعة متطلبات التنفيذ والآثار المتوقعة قبل إقرار التشريعات وتعديلها.
غياب تقييم الأثر يضعف اليقين القانوني ويعطل مصالح المواطنين
وأكد فريد أن القاسم المشترك بين هذه الحالات يتمثل في غياب تقييم مسبق متكامل لأثر التشريعات، يشمل دراسة البدائل المتاحة، وتكلفة التطبيق، وجاهزية الجهات المنفذة، والأثر على المواطنين والنشاط الاقتصادي، ومدى الاتساق مع التشريعات القائمة.
وأوضح أن غياب هذه الدراسة، بالتوازي مع عدم إخضاع القرارات واللوائح لفحص منهجي كافٍ لاتساقها مع القوانين التي تنفذها والقرارات السابقة عليها، يؤدي إلى ثلاثة آثار رئيسية، تتمثل في تكرار التعديلات بما يضعف اليقين القانوني، وتحميل المواطنين والمستثمرين أعباء ناتجة عن تغير القواعد، فضلًا عن حرمان مجلس النواب من البيانات اللازمة لتقدير مدى قدرة المشروعات المعروضة عليه على تحقيق أهدافها.
وشدد على أن المشكلة لا تتعلق بمجرد كثرة القوانين، وإنما بجودة إعدادها وقابليتها للتطبيق واتساقها مع المنظومة التشريعية، مؤكدًا أن التشريع الذي لا تُدرس تكلفته أو متطلبات تنفيذه قد يتحول من أداة لحل المشكلات إلى مصدر جديد للتعقيدات والأعباء.
قرار جمهوري منذ 2017.. وتقييم الأثر لم يتحول إلى نظام مطبق
وأشار النائب إلى أن تقييم الأثر التشريعي ليس فكرة جديدة أو تكليفًا مستحدثًا، إذ نص قرار رئيس الجمهورية رقم 209 لسنة 2017 بشأن إعادة تنظيم وتشكيل اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، في البند الثاني من المادة الثالثة، على تكليف اللجنة بإنشاء نظام لتقييم الأثر التشريعي، لقياس الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتشريعات والقرارات المقترحة، ومقارنة أهدافها بمخاطرها وتكلفة إنفاذها.
كما ألزمت المادة السابعة اللجان الفرعية بإعداد المشروع النهائي متضمنًا تقييم أثره، وناقشت اللجنة في نوفمبر 2024 آليات تقييم الأثر، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في تفعيلها.
وأوضح فريد أنه رغم مرور أكثر من تسع سنوات على صدور القرار، لم يتحول التكليف إلى نظام مؤسسي مطبق يضمن إجراء تقييم منهجي للأثر وإرفاقه بمشروعات القوانين المحالة إلى البرلمان، مرجعًا ذلك إلى مجموعة من الفجوات، أبرزها عدم وجود إلزام واضح للوزارات بعرض مشروعاتها على اللجنة قبل تقديمها إلى مجلس الوزراء، وعدم توافر تمثيل كافٍ للتخصصات الاقتصادية والمالية والإحصائية داخل منظومة المراجعة، فضلًا عن غياب قواعد ملزمة لنشر دراسات الأثر وإرفاقها بالمشروعات التشريعية.
وأضاف أن مراجعة قسم التشريع بمجلس الدولة، وفقًا للمادة 190 من الدستور، لا تغني عن هذا النظام، إذ تتعلق باختصاصاته في مراجعة الصياغة والسلامة القانونية لما يُحال إليه من مشروعات، ولا تمثل بديلًا عن التقييم الاقتصادي والاجتماعي، وقياس تكلفة التطبيق، والتحقق من جاهزية الجهات المنفذة.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: تقييم الأثر يبدأ قبل إقرار التشريع
واستند طلب الإحاطة إلى توصية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن السياسة التنظيمية وحوكمتها لعام 2012، التي تدعو إلى إجراء تقييم الأثر في المراحل المبكرة لإعداد التشريعات، وإسناد مراجعة جودته إلى جهة دائمة قريبة من مركز الحكومة.
كما أشار الطلب إلى ما أورده تقرير المنظمة بشأن مصر لعام 2024 حول التحديات المرتبطة بجودة التنظيم، ومنها طول عمليات اتخاذ القرار وتنفيذه وضعف الشفافية فيها.
وأوضح فريد أن تقييم الأثر يقوم على معيارين أساسيين؛ أولهما الفاعلية، أي قدرة التشريع على معالجة المشكلة المستهدفة، ومدى قابلية أحكامه للتطبيق والامتثال، وثانيهما الكفاءة، أي تحقيق الأهداف بأقل تكلفة وأعباء ممكنة مقارنة بالبدائل المتاحة، بما فيها الحلول غير التشريعية.
وأكد أن تطبيق هذا النهج يتيح للحكومة تحديد ما إذا كانت المشكلة تستلزم إصدار قانون جديد بالفعل، أم يمكن معالجتها من خلال تعديل إجراءات إدارية أو تطوير آليات التنفيذ، بما يمنع التوسع غير الضروري في إصدار التشريعات.
تجارب دولية تربط إقرار القوانين بدراسة آثارها
واستعرض طلب الإحاطة عددًا من التجارب الدولية التي اعتمدت آليات مؤسسية لتقييم الأثر التشريعي قبل إقرار القوانين والقرارات التنظيمية.
في الأردن، أقر مجلس الوزراء في فبراير 2025 نظامًا أنشأ وحدة لتقييم الأثر في رئاسة الوزراء ووحدات مختصة في الوزارات، وجعل التقييم شرطًا لنظر مجلس الوزراء في مشروعات التشريعات.
وفي ألمانيا، لا يُعرض مشروع على مجلس الوزراء الاتحادي دون بيان بتكلفة الالتزام به، ويُرفق به رأي المجلس الوطني المستقل للرقابة على المعايير، كما يُطبق منذ عام 2023 اختبار للجاهزية الرقمية على مشروعات الحكومة.
وفي الاتحاد الأوروبي، يراجع مجلس التدقيق التنظيمي تقييمات الأثر قبل اعتماد المقترحات، ويمكن إعادة التقييم إذا جاء رأيه سلبيًا، مع نشر آرائه دعمًا للشفافية.
وفي المملكة المتحدة، تتولى لجنة السياسة التنظيمية تصنيف تقييمات الأثر إلى صالحة أو غير صالحة، وتُنشر آراؤها بما يدعم الرقابة البرلمانية على جودة المقترحات.
أما في فرنسا، فتُعد دراسة الأثر إلزامية لمشروعات القوانين الحكومية وتُودع معها، مع إتاحة رفض إدراج المشروع إذا كانت الدراسة غير مكتملة.
وأوضح فريد أن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو تحميل الجهة صاحبة المشروع مسؤولية إعداد دراسة أثره، وإخضاعها لمراجعة مستقلة متعددة التخصصات، والتناسب بين عمق الدراسة وحجم الأثر المتوقع، وإتاحة التشاور مع الأطراف المعنية، ونشر الدراسة وإرفاقها بالمشروع عند إحالته إلى البرلمان.
6 مطالب لتفعيل تقييم الأثر التشريعي دون إنشاء جهة جديدة
وطرح النائب في طلب الإحاطة تصورًا لتفعيل النظام في مصر من خلال إعادة تنظيم اللجنة العليا للإصلاح التشريعي التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، لتصبح محطة إلزامية لمراجعة مشروعات القوانين واللوائح والقرارات التنظيمية قبل عرضها على مجلس الوزراء، مع الجمع بين الفحص القانوني وتقييم الأثر في مسار مؤسسي واحد.
وتضمن التصور ستة محاور رئيسية:
أولًا: إقرار مسار موحد وإلزامي للمراجعة. بحيث لا يُعرض على مجلس الوزراء مشروع قانون أو لائحة أو قرار تنظيمي قبل عرضه على اللجنة والحصول على رأيها، أيا كانت الجهة التي أعدته.
ثانيًا: إلزام الجهة صاحبة المشروع بإعداد دراسة الأثر. على أن تُعد الدراسة قبل اختيار الحل التشريعي، وفق نموذج موحد تضعه اللجنة، وتتضمن تحديد المشكلة والأهداف، ودراسة البدائل التشريعية وغير التشريعية، وتقدير التكلفة والأعباء والفئات التي تتحملها، وتحديد متطلبات التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج، مع مراعاة حجم الأثر المتوقع عند تحديد عمق الدراسة.
ثالثًا: إنشاء وحدة متخصصة لتقييم الأثر داخل الأمانة الفنية للجنة. تضم خبراء في القانون والاقتصاد والمالية العامة والإحصاء، وتتولى مراجعة الفاعلية والتكلفة والآثار على المواطنين والنشاط الاقتصادي والحقوق والحريات، ومدى الاتساق مع التشريعات القائمة وجاهزية الجهات المنفذة.
وتشمل اختصاصات الوحدة كذلك فحص اتساق مشروعات القرارات واللوائح المعروضة على مجلس الوزراء مع القوانين التي تنفذها والقرارات السابقة عليها، ومتابعة إصدار اللوائح التنفيذية في مواعيدها، دون الإخلال باختصاص قسم التشريع بمجلس الدولة.
رابعًا: استكمال التشكيل وإشراك الأطراف المعنية. من خلال ضم ممثلين عن الوزارتين المختصتين بالمالية والتخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وإشراك القطاع الخاص والاتحادات والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني في التشاور بشأن المشروعات ذات الأثر الواسع قبل إقرارها.
خامسًا: تحديد مدد زمنية للمراجعة ومسار عاجل للطوارئ. بحيث تلتزم اللجنة بمدة محددة لإبداء رأيها، مع إتاحة مسار عاجل للمشروعات الطارئة، بشرط إجراء مراجعة لاحقة لأثرها خلال مدة محددة من بدء تطبيقها.
سادسًا: نشر دراسة الأثر وإرفاقها بمشروعات القوانين. بحيث يُنشر رأي اللجنة ودراسة الأثر، ويُرفقان بمشروع القانون عند إحالته إلى مجلس النواب، بما يضمن اطلاع النواب على الأسس والبيانات التي استندت إليها الحكومة في اختيار الحل المقترح، مع بقاء القرار النهائي للحكومة والبرلمان كلٌّ في نطاق اختصاصه.
محمد فريد: المطلوب تشريع يحل المشكلة لا يضيف إليها
وشدد فريد على أن تفعيل تقييم الأثر التشريعي يمثل خطوة أساسية لتطوير جودة التشريع، وترشيد القرارات التنظيمية، وتقليل التعديلات المتلاحقة، وتعزيز استقرار القواعد القانونية، مشيرًا إلى أن وجود دراسة واضحة للتكلفة والبدائل والنتائج المتوقعة يمنح البرلمان أساسًا موضوعيًا لمناقشة مشروعات القوانين وتقييم مدى ضرورتها وجدواها.
وأكد أن الهدف ليس تعطيل التشريع أو إطالة إجراءات إصداره، وإنما ضمان إعداده على أسس علمية، والتحقق من استعداده للتطبيق قبل دخول المواطنين والجهات المنفذة في دوامة من التعديلات والإجراءات التصحيحية.
واختتم النائب طلبه بالمطالبة بإحالته إلى اللجنة المختصة لمناقشته في أقرب وقت، مؤكدًا أن الحكومة، عندما تطلب إلزام المواطنين بقانون، عليها أن تبرر ضرورته وتكلفته، وأن تثبت استعدادها لتنفيذه، قائلًا: «ماينفعش نكتشف عيوبه على حساب الناس، وبعدين نعتبر تعديله إنجازًا».
وأضاف أن بناء منظومة تشريعية فعالة يبدأ من دراسة المشكلة قبل إصدار القانون، ومقارنة الحلول المتاحة، وقياس آثارها، بما يضمن أن تكون التشريعات أداة لتحسين حياة المواطنين وتيسير مصالحهم، لا سببًا في توسيع «غابة التشريعات» وتعقيدها.
- إسلام عزام رئيسا للرقابة المالية بتشكيل جديد لمجلس الإدارة لمدة 4 سنوات
- معهد تيودور بلهارس ينظم ورشة متخصصة في معايير وآليات النشر العلمي الدولي
- المكافحة الحيوية في مواجهة المبيدات المغشوش، هل تنقذ جيوب المزارعين أم ترفع تكلفة الإنتاج؟
- تكلفة البيروقراطية.. خبير لـ”الوطن”: اختصروا الإجراءات قبل أن تخسروا الاستثمار
- بطاريات التخزين تنافس الغاز في تكلفة الكهرباء.. الشرق الأوسط وأفريقيا بالصدارة






