طالب وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني الاتحاد الأوروبي بموقف حازم وحاسم يتمثل في تسمية الاعتداءات الإسرائيلية بمسمياتها الحقيقية، فيما أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “كايا كالاس” أن الاستقرار في سوريا يهم أوروبا كثيراً، وأن التحركات الأوروبية الأخيرة تمثل إشارات سياسية لإعادة تطبيع العلاقات بين الجانبين.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك، أكد فيه الشيباني أن الاتحاد الأوروبي رفع عام 2024 شعار “الأفعال قبل الأقوال” في علاقاته مع سوريا، مشيراً إلى أن الاتحاد اتخذ خلال الأشهر الماضية خطوات مهمة في هذا الاتجاه.
وقال الشيباني: “بحثنا اليوم العديد من الملفات التي تخص العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وخاصة ما بدأناه العام الماضي من انطلاق الحوار السياسي رفيع المستوى”، لافتاً إلى أن المباحثات ركزت على أن تكون الملفات المطروحة ضمن لجان تقنية.
وأوضح الشيباني أن الاتحاد الأوروبي رفع في 18 أيار كيانات حكومية من قوائم العقوبات، من بينها وزارتا الدفاع والداخلية، كما شاركت المفوضية الأوروبية مطلع أيلول في ورشة الإطار الوطني للعودة والتوعية، بالتزامن مع إطلاق منصة الدعم التقني لمؤسسات الدولة السورية، في إطار مجموعة من الخطوات الأوروبية لدعم سوريا.
وأشار إلى أن سوريا تمضي قدماً نحو عودة طوعية وكريمة لأبناء الوطن، معتبراً أن الانفتاح الأوروبي على سوريا يرتبط بموقعها المهم وقوتها البشرية وحكومتها المنفتحة نحو أوروبا.
وأضاف وزير الخارجية: “طوينا إرث أسلحة الدمار الشامل، واستعدنا حقوقنا الكاملة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وأغلقنا الملف سيئ السمعة الذي فرضه النظام البائد على سوريا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفتحنا ملفاً جديداً وصفحة تليق بسوريا وشعبها”.
وقال الشيباني إن سوريا عملت على انتقال سياسي شامل عبر انعقاد مجلس الشعب في تموز الماضي، ورسخت وحدة البلاد باندماج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية، مؤكداً أن سوريا كانت شريكاً فاعلاً في مواجهة الجريمة العابرة للحدود، وكافحت الهجرة غير الشرعية والمخدرات والاتجار بالبشر.
اتفاق شراكة جديد وإطار مالي أوروبي
وبيّن الشيباني أن الجانبين تباحثا في عدة مسارات، تبدأ بإنجاز اتفاق شراكة جديد يخلف اتفاقية عام 1977، عبر إعداد ورقة نطاق مشتركة قبل نهاية الربع الأول من العام القادم، مشيراً إلى أن سوريا والاتحاد الأوروبي يجريان تقييماً للاتفاقيات الموقعة بينهما في الماضي.
وأضاف: “نسعى للارتقاء بالتعاون نحو التزام استراتيجي عبر إدراج سوريا ضمن الإطار المالي المتعدد للاتحاد الأوروبي من عام 2028 ولغاية 2034″، مؤكداً تطلع سوريا إلى أن تنعكس الشراكة مع الاتحاد الأوروبي على إعادة الإعمار.
وجدد الشيباني التأكيد على موقف سوريا الثابت من العقوبات التي تقف عائقاً أمام التعافي، وقال: “نحن مع بقائها على رموز النظام البائد، ونطالب بحزم برفعها عن مؤسسات وكيانات الحكومة والدولة السورية”.
الموقف من التطورات الإقليمية
وقال الشيباني: “في ظل الحرب التي أثقلت إقليمنا منذ شباط الماضي، كان موقفنا جلياً منذ اليوم الأول، إذ رفضنا أن تكون أرضنا منصة لأي عدوان أو مساحة لتصفية الحسابات، ووقفنا متضامنين مع أشقائنا في الخليج العربي والأردن في وجه الاعتداءات الإيرانية التي طالتهم، داعين دوماً إلى الحلول الدبلوماسية”.
وأضاف الشيباني إن العالم أدرك، في خضم هذه الحرب، فداحة الاعتماد على ممر واحد للطاقة والتجارة، مؤكداً أن “جغرافيتنا تؤكد أن أقصر دروب الأرض بين الشرق والغرب تمر من بوابة الشام، واستقرار سوريا هو جزء لا يتجزأ من أمن أوروبا ذاتها”.
وفي الشأن الإسرائيلي، طالب الشيباني الاتحاد الأوروبي بموقف حازم وحاسم يتمثل في تسمية الاعتداءات الإسرائيلية بمسمياتها الحقيقية، والمطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط الثامن من كانون الأول 2024، وإدراج هذا الملف صراحة على جدول أعمال اللجنة السياسية والأمنية في الاتحاد الأوروبي.
وقال وزير الخارجية والمغتربين: “مطلبنا من شركائنا بخصوص الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب بسيط ومباشر، كما عبر عنه الرئيس الشرع: قولوا ما يقوله القانون الدولي”.
وأكد مجدداً أن الجولان أرض سورية، وأن قرار مجلس الأمن رقم 497 يعدّ ضمه إلى إسرائيل باطلاً ولاغياً، مثمناً موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لأي سيادة إسرائيلية على أرض الجولان المحتلة، ودعوته الصادرة في آب إلى احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
“كالاس”: الاستقرار في سوريا يهم أوروبا
من جانبها، قالت “كالاس”: إن نجاح الانتقال السياسي في سوريا يهم الاتحاد الأوروبي كثيراً، وإن التحركات الأوروبية الأخيرة تمثّل إشارات سياسية مهمة لإعادة تطبيع العلاقات بين الجانبين.
وأضافت: إن الاتحاد الأوروبي تحرّك سريعاً بعد سقوط النظام السابق، ورفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا بهدف دعم التعافي وإعادة الإعمار، كما أعاد تفعيل اتفاقية التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وأطلق الحوار السياسي رفيع المستوى في أيار الماضي، معتبرةً أن هذه الخطوات تمثّل إشارات سياسية لإعادة تطبيع العلاقات.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يهدف الآن إلى حشد المزيد من الاستثمارات وتحسين الشراكة مع سوريا، مشيرةً إلى أهمية دعم الاقتصاد والتعافي وإعادة الإعمار، وكذلك دعم البنية المصرفية في سوريا.
وقالت “كالاس”: إن الاتحاد الأوروبي بدأ بالمساعدة عبر تقديم 60.2 مليون يورو للتعافي والمساعدات الإنسانية وتعزيز المؤسسات، موضحةً أن الاتحاد خصّص أيضاً 51.2 مليون يورو، إضافةً إلى 18.5 مليون يورو لنزع الألغام في سوريا.
وأضافت: إن الاتحاد الأوروبي يريد للأطفال السوريين أن يعودوا بسلام إلى مدارسهم، والمزارعين إلى حقولهم، مرحبةً بالعودة الكريمة والآمنة للاجئين السوريين إلى بلدهم للمشاركة في إعادة إعمارها.
تمويل البنية التحتية وتعزيز المؤسسات
وأوضحت “كالاس” أن هناك نقاشات حول كيفية تمويل بعض المنظّمات التي تسعى إلى تنفيذ مشاريع في سوريا، مشيرةً إلى أن بنك الاستثمار الأوروبي يبحث سبل دعم مشاريع البنية التحتية التي تُشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، وأن النقاشات بهذا الشأن ما زالت جارية.
وقالت: إن هناك نقاشات أيضاً لتمويل مشاريع في سوريا عبر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، مؤكدةً استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في بناء مؤسسات قادرة على دعم الاستثمار في سوريا.
وفيما يتعلق باللجان التقنية والسياسية والأمنية، قالت “كالاس”: إن هناك حديثاً عن حوار سياسي رفيع المستوى بين سوريا والاتحاد الأوروبي قبل الصيف القادم.
العودة والملفات الإقليمية
وأكدت “كالاس” أهمية العودة الكريمة والآمنة للاجئين السوريين، بما يتيح لهم المشاركة في إعادة بناء بلدهم، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يشدّد على أهمية المساهمة المتكافئة والمتساوية للرجال والنساء.
وقالت: إن قرار سوريا بالبقاء خارج النزاع بين إيران وأميركا ساعد على عدم انتشار هذا النزاع بشكل أوسع، وفيما يتعلّق بالوضع بين سوريا وإسرائيل، أكدت أن الاتحاد الأوروبي يشدّد على ضرورة احترام اتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني التقى في العاصمة دمشق الممثّلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “كايا كالاس”، وبحث الجانبان العلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي وسبل تطوير التعاون المشترك، إضافةً إلى آخر المستجدات السياسية والأمنية في المنطقة والجهود المبذولة لدعم الاستقرار وتعزيز التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والمشاريع التنموية في سوريا.
أسرة التحرير








0 تعليق