لم يكن زعيمًا سياسيًا، ولا قائدًا نقابيًا، ولا حتى أحد الوجوه المعروفة لحركة السترات الصفراء الفرنسية، ولكن هو مجرد شاب مجهول الهوية، يُعرف على منصة «تيك توك» باسم «V2»، ظهر أمام كاميرا هاتفه ليقترح موعدًا للاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود. لكن ما بدأ بمقطع مصور تحول، بعد أسابيع قليلة، إلى دعوة واسعة النطاق، قبل أن تشهد فرنسا مظاهرات حاشدة تخللتها أعمال عنف، ويجد الشاب نفسه مضطرًا للدفاع عن نفسه أمام اتهامات بأنه ساهم في إشعال الفوضى.
والمفارقة أن صاحب الدعوة كان قد أعلن تراجعه عن تنظيم المظاهرة قبل موعدها، لكن الدعوة لم تتوقف بانسحابه، بل انتقلت إلى حسابات أخرى، والتقت مع احتجاجات طلابية وتحركات نقابية، وصولًا إلى يوم 17 أكتوبر 2026، الذي شهد واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في فرنسا خلال السنوات الأخيرة.
فيديو يحدد موعدًا للغضب
تعود بداية الحكاية إلى السابع من سبتمبر الماضي، عندما نشر الشاب المعروف باسم «V2» مقطعًا عبر «تيك توك»، أعرب فيه عن غضبه من ارتفاع أسعار البنزين، مقترحًا يوم السبت 17 أكتوبر موعدًا للاحتجاج.
ولم يكن اختيار الموعد قائمًا على حسابات سياسية معقدة؛ إذ برر الشاب اقتراحه بأن اليوم يوافق عطلة نهاية الأسبوع وبداية الإجازات المدرسية، ما يسمح لأعداد أكبر بالمشاركة.
وسرعان ما انتشر المقطع، مصحوبًا بوسوم مرتبطة بأسعار الوقود وحركة «السترات الصفراء»، التي هزت فرنسا عام 2018، بعدما بدأت هي الأخرى باحتجاجات على زيادة الضرائب على المحروقات، قبل أن تتحول إلى حركة أوسع ضد تراجع القدرة الشرائية والسياسات الاقتصادية.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 16 سبتمبر، فإن الحسابات الأولى التي روجت لموعد 17 أكتوبر كانت تشير، في معظمها، إلى فيديو «V2»، رغم عدم وجود صلة معروفة بينه وبين القيادات التاريخية للسترات الصفراء أو أي تنظيم سياسي.
لكن المفاجأة جاءت عندما أعلن الشاب أنه تراجع عن تنظيم المظاهرة «في الوقت الحالي»، دون تقديم تفسير واضح لقراره.
انسحب صاحب الدعوة.. وبقي الموعد
لم يؤد تراجع «V2» إلى اختفاء الدعوة، بل حدث العكس؛ إذ واصلت حسابات مختلفة تداول موعد 17 أكتوبر، وظهرت منشورات تدعو إلى إحياء حركة السترات الصفراء، بينما انتشرت صور وملصقات، بعضها مولد باستخدام الذكاء الاصطناعي، تروج لتحرك احتجاجي واسع.
ولم تكن جميع الحسابات التي شاركت في الترويج مرتبطة بنشاط سياسي حقيقي؛ فقد رصد تحقيق «لوموند» حسابات حديثة الإنشاء أو أعيدت تسميتها لاستغلال الاهتمام بالمظاهرات وزيادة أعداد متابعيها.
ومع اقتراب الموعد، اتسعت دائرة التفاعل بصورة لافتة. ونقلت الصحيفة عن شركة «فيزيبراين» المتخصصة في متابعة منصات التواصل أن المنشورات المتعلقة بيوم 17 أكتوبر بلغت نحو 460 ألف منشور منذ 27 سبتمبر، بينما حصدت مقاطع «تيك توك» المرتبطة بالموعد نحو 132 مليون مشاهدة تراكمية.
لكن انتشار الدعوة لم يكن كافيًا وحده لتفسير ما حدث؛ إذ كانت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية قد بدأت بالفعل للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير المعلمين، ما أتاح التقاء غضب الطلاب مع احتجاجات ارتفاع تكاليف المعيشة.
وهكذا، أصبح الموعد الذي اقترحه شاب مجهول نقطة التقاء لتحركات مختلفة، لم يكن هو من يقودها أو ينظمها.
من السترات الصفراء إلى «السترات الشابة»
مع تصاعد الدعوات، عاد اسم حركة «السترات الصفراء» إلى الواجهة، وظهرت على مواقع التواصل تسمية جديدة هي «السترات الشابة»، في إشارة إلى احتمال التقارب بين المحتجين القدامى وطلاب المدارس.
وفي البداية، أبدى بعض الوجوه التاريخية للحركة شكوكًا بشأن جدية الدعوة التي خرجت من «تيك توك»، خصوصًا مع غياب قيادة واضحة أو خطة تنظيمية محددة.
لكن اقتراب الموعد واتساع الاحتجاجات الطلابية دفعا بعضهم إلى إعلان المشاركة أو اعتبار التحرك فرصة لإعادة طرح المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراء احتجاجات 2018.
وفي 17 أكتوبر، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع الفرنسية؛ إذ قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين.
وشهدت المظاهرات مشاركة طلاب ونقابيين ومحتجين من السترات الصفراء، فيما تخللت بعض التجمعات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، خصوصًا في باريس ومدن فرنسية أخرى.
وكانت النتيجة أن الدعوة التي بدأت من شاشة هاتف أصبحت جزءًا من حدث وطني واسع، تجاوز صاحبه ومطالبه الأولى.
لماذا اضطر إلى الدفاع عن نفسه؟
في اليوم التالي للاحتجاجات، الأحد 18 أكتوبر، عاد «V2» للظهور على «تيك توك»، لكن هذه المرة لم يكن يدعو الفرنسيين إلى النزول للشوارع، وإنما يرد على من حمّلوه مسؤولية أعمال العنف.
وتساءل الشاب عن سبب تداول اسمه باعتباره مسؤولًا عما جرى، معتبرًا أنه ليس المتسبب في تراجع القدرة الشرائية للفرنسيين، ولم يطلب من أحد نهب المتاجر أو إحراق حاويات القمامة أو الاعتداء على قوات مكافحة الشغب.
وأوضح أن دعوته كانت تستهدف تنظيم مظاهرة قانونية، وليس ارتكاب أعمال تخريب، في مقطع تجاوز مليوني مشاهدة، بحسب «لوموند».
ولم تتضمن تصريحاته المنشورة اعتذارًا عن المطالب الاقتصادية التي طرحها، أو إعلانًا صريحًا بالندم على الدعوة الأصلية، وإنما محاولة للفصل بين الحق في الاحتجاج وبين العنف الذي رافق بعض المظاهرات.
واللافت أن تراجعه عن التنظيم سبق وقوع تلك الأحداث بأسابيع، ما يجعل تصوير انسحابه باعتباره رد فعل على أعمال العنف غير دقيق.
هل يمكن لصاحب فيديو أن يوقف مظاهرة؟
تكشف حكاية «V2» عن مفارقة تتجاوز الاحتجاجات الفرنسية؛ فوسائل التواصل تمنح شخصًا مجهولًا القدرة على إطلاق دعوة تصل إلى ملايين المستخدمين، لكنها لا تمنحه بالضرورة سلطة التحكم في مصيرها بعدما تنتشر.
فقد اقترح الشاب موعدًا، ثم تراجع عن التنظيم، لكن الموعد أصبح ملكًا لحسابات ومجموعات وحركات احتجاجية متعددة، لكل منها مطالبها ودوافعها.
ومع ذلك، فإن انتشار الدعوة لا يثبت أن الفيديو كان السبب الوحيد وراء خروج المحتجين؛ إذ تزامن مع غضب اقتصادي واجتماعي قائم، واحتجاجات طلابية مستقلة، وعودة نشاط بعض مجموعات السترات الصفراء.
وتزداد أهمية هذه المفارقة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2027، في ظل انتهاء الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون، وعدم أهليته للترشح لولاية ثالثة متتالية.
وبينما تتنافس القوى السياسية على تقديم إجابات عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، أظهرت احتجاجات أكتوبر كيف يمكن لدعوة بلا قيادة مركزية أن تتحول إلى موعد سياسي كبير.
أما صاحب الفيديو الذي ساهم في نشر الموعد، فوجد نفسه أمام نتيجة لم يكن قادرًا على التحكم فيها: استطاع أن يقترح على الفرنسيين يومًا للاحتجاج، لكنه لم يستطع أن يقرر ما الذي سيحدث عندما يحل ذلك اليوم.
- وزير خارجية إسبانيا: نستبعد انتقال شغب فرنسا إلينا ولا نخشى تكرار المشهد
- السترات الصفراء تعود إلى شوارع فرنسا.. دعوات لتعبئة جديدة السبت المقبل
- ماكرون يطالب بتحقيق فى الإخفاقات الاستخباراتية عقب أعمال العنف فى فرنسا
- اتساع الاحتجاجات الطلابية بالهند وفرنسا، شعب الصراصير ينتفض في دلهي.. وشبح السترات الصفراء يهدد باريس
- فرنسا تحظر دخول 28 مستوطنا إسرائيليا من المتورطين بالعنف في الضفة الغربية






