تواجه المجر واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخها الحديث، بعدما سجل صيف عام 2026 أدنى معدلات لهطول الأمطار منذ عام 1901، في ظل موجات حر متتابعة ونقص متراكم في رطوبة التربة والمياه الجوفية، ما يضع القطاع الزراعي والموارد المائية أمام تحديات متزايدة. ووفقًا لبيانات هيئة الأرصاد الجوية المجرية «هونجارو ميت»، بلغ متوسط الأمطار خلال الصيف 74.1 ملليمتر فقط، بما يعادل 36% من المعدل المسجل خلال الفترة المرجعية بين عامي 1991 و2020، لتصبح البلاد أمام أسوأ موجة جفاف خلال 126 عامًا.
وبحسب تحليل «هونجارو ميت» الذى تم نشره فى 9 أكتوبر، لم يكن صيف 2026 الأكثر جفافًا منذ بداية القرن العشرين فحسب، بل كان أيضًا ثاني أكثر فصول الصيف حرارة في البلاد خلال الفترة نفسها، بعدما بلغ متوسط درجات الحرارة الموسمية 23.43 درجة مئوية، بزيادة 2.59 درجة عن المتوسط طويل الأجل البالغ 20.84 درجة، وفقا لصحيفة لابانجورديا الإسبانية .
الزراعة في مواجهة نقص المياه وتراجع رطوبة التربة
يضع الجفاف المزارعين في المجر أمام تحديات تتعلق بتوفير المياه للمحاصيل والحفاظ على الإنتاج الزراعي في ظل ظروف مناخية أكثر قسوة. فالمحاصيل التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار تصبح أكثر عرضة للإجهاد المائي عندما يتراجع الهطول لفترات طويلة، بينما يؤدي نقص رطوبة التربة إلى زيادة الضغوط على النباتات خلال مراحل النمو الحساسة.
وفي مواجهة هذه الظروف، بدأ بعض المزارعين في التكيف مع نقص المياه من خلال التحول من زراعة الذرة إلى محاصيل أكثر قدرة على تحمل الجفاف، مثل دوار الشمس. لكن هذا التحول لا يضمن تجنب الخسائر بصورة كاملة؛ إذ تظل الإنتاجية وجودة المحاصيل عرضة للتأثر بالحرارة ونقص المياه.
و تتجه مبادرات محلية في المجر أيضًا إلى تغيير أساليب إدارة المياه، عبر إنشاء حواجز صغيرة وسدود مؤقتة تساعد على الاحتفاظ بمياه الأمطار بدلًا من السماح بتدفقها بعيدًا عن الأراضي. ويشارك متطوعون في إنشاء مصاطب وحواجز باستخدام الأخشاب والمواد الطبيعية للمساعدة في إبطاء تدفق المياه والحد من فقدانها.
مياه مزارع الأسماك.. حل غير تقليدي لإنقاذ الأراضي المتضررة
ومن بين التحركات اللافتة لمواجهة الأزمة، بدأت المجر الاستفادة من المياه المستخدمة في مزارع الأسماك وتوجيهها إلى الأراضي الزراعية والمراعي والأراضي الرطبة التي تعاني نقص المياه، بدلًا من تصريفها في القنوات والأنهار بعد انتهاء دورات الإنتاج.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة لابانجورديا فقد تعمل المنظمة المجرية المشتركة لقطاع الاستزراع السمكي ومصايد الأسماك «ما هال» بالتعاون مع هيئة المياه الوطنية على تطوير هذا النهج، الذي يقوم على الاستفادة من المياه المتاحة بالفعل بدلًا من فقدانها، وإعادة توجيهها إلى المناطق التي يمكن أن تسهم فيها في تخفيف آثار الجفاف.
وأوضح ناندور بوشكاش، رئيس المنظمة، أن أهمية إدارة مياه أحواض الأسماك ازدادت خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت هذه الأحواض ملاذًا مائيًا لكثير من الكائنات الحية وسط الأراضي التي تعرضت للجفاف. وأشار إلى ضرورة توسيع نطاق هذا النهج ليشمل مناطق أكبر من البلاد.
وتكتسب المبادرة أهمية إضافية لأن مياه الأحواض كانت تُصرف تقليديًا بعد حصاد الأسماك، في وقت لم تكن فيه المناطق المحيطة تعاني بالضرورة نقصًا حادًا في المياه. أما في ظل الظروف الحالية، فقد أصبح توجيه هذه المياه إلى الأراضي الجافة وسيلة للمساعدة في دعم الغطاء النباتي والحد من فقدان الرطوبة.
ولا تمثل هذه الخطوة حلًا نهائيًا لأزمة الجفاف، لكنها تقدم نموذجًا لإعادة استخدام الموارد المائية المتاحة وتحسين كفاءة إدارتها. ويتوقف نجاحها على توافر المياه المناسبة، وملاءمتها للاستخدام الزراعي، وقدرة الجهات المعنية على نقلها إلى المناطق الأكثر احتياجًا، إلى جانب تنظيم عمليات توزيعها بما يحقق أكبر استفادة ممكنة.
انخفاض مستويات الأنهار والمياه الجوفية يوسع نطاق الأزمة
امتدت آثار الجفاف إلى الموارد المائية السطحية، إذ سجل نهر الدانوب مستويات منخفضة بصورة قياسية، بينما شهدت أنهار أوروبية أخرى، من بينها الراين وفيستولا، انخفاضات حادة في مستويات المياه خلال الظروف الجافة التي ضربت وسط أوروبا.
وتشكل هذه التطورات مصدر قلق يتجاوز الزراعة، لأن انخفاض مناسيب الأنهار قد يؤثر في الأنشطة التي تعتمد على المياه، بما في ذلك النقل النهري وإدارة الموارد المائية وتشغيل بعض المنشآت المرتبطة بالأنهار. وفي المجر، سلطت التقارير الضوء على الضغوط التي واجهتها البنية التحتية المرتبطة بنهر الدانوب، بما في ذلك نظام تبريد محطة باكس النووية المعتمد على مياه النهر.
وفي المجر، أشارت تقديرات سابقة إلى أن مستوى المياه الجوفية كان أقل بنحو 1.4 إلى 1.7 متر من المستوى الذي يُعد مثاليًا. ويعكس ذلك عمق الأزمة، إذ إن عودة الأمطار خلال الخريف، حتى إن حدثت، لا تعني بالضرورة استعادة المخزون المائي الذي استنزفته فترات الجفاف الطويلة.
وتحتاج إعادة تغذية المياه الجوفية إلى ظروف تسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض واحتفاظ التربة بها، وهي عملية قد تستغرق وقتًا، خصوصًا بعد مواسم متتالية من نقص الأمطار وارتفاع معدلات التبخر.
- مياه الشرب فى خطر.. جفاف فرنسا يهدد الإمدادات والشبكات
- خبير جيولوجى: التوزيع غير المتجانس للمياه أبرز تحديات الأمن المائى فى أفريقيا
- في COP17 بمنغوليا، وزير الري يطرح رؤية مصر لمواجهة الجفاف والتصحر
- شاهد.. فيضانات مدمرة بأسطنبول لم تشهدها منذ 41 عاما وإجلاء الآلاف وتعليق الدراسة
- مشاركة 20 وزيرا و137 جلسة، وزير الري يتابع استعدادات إطلاق النسخة التاسعة من "أسبوع المياه"






