اقتصاديات تسعير الكربون

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اقتصاديات تسعير الكربون, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 05:31 صباحاً

يشير تقرير البنك الدولي المعنون "حالة واتجاهات تسعير الكربون" لعام 2023 إلى حقيقة اقتصادية وبيئية فارقة، وهي أن الإيرادات العالمية المتأتية من أنظمة تسعير الكربون قد وصلت إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 95 مليار دولار أمريكي، في حين تغطي هذه الأنظمة ما يقارب 23% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية، بل هي دليل قاطع على أن الاقتصاد العالمي بدأ يستوعب الدرس الأهم في القرن الحادي والعشرين: التلوث لم يعد مجانيا. لفترة طويلة من الزمن، تعامل الاقتصاد التقليدي مع الغلاف الجوي وكأنه مكب نفايات مفتوح ومجاني، حيث تطلق المصانع والشركات انبعاثاتها دون أن تدفع فلسا واحدا مقابل الأضرار الكارثية التي تسببها للمناخ والصحة العامة، وهي ما يسميه الاقتصاديون "التكاليف الخارجية".

فكرة تسعير الكربون تأتي لتصحيح هذا التشوه في السوق عبر مبدأ "الملوث يدفع". الهدف ليس معاقبة الصناعة، بل دمج التكلفة البيئية ضمن التكلفة التشغيلية للشركات، مما يجعل الخيارات النظيفة أكثر جاذبية من الناحية المالية وليست فقط الأخلاقية. يتم تطبيق هذه الآلية عادة عبر طريقين رئيسيين يدرسهما مهندسو البيئة والاقتصاديون بعناية. الطريق الأول هو "ضريبة الكربون" المباشرة، حيث تحدد الحكومة سعرا ثابا لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، وتجبر الشركات على دفعه. هذا النظام يتميز بالوضوح، حيث تستطيع الشركات التنبؤ بتكاليفها المستقبلية بدقة، لكنه لا يضمن بالضرورة خفض الانبعاثات إلى مستوى محدد إذا كانت الشركات مستعدة للدفع والاستمرار في التلوث.

الطريق الثاني، وهو الأكثر تعقيدا ومرونة، هو نظام "تداول الانبعاثات" (Cap and Trade). في هذا النظام، تحدد الحكومة سقفا أعلى (Cap) لإجمالي الانبعاثات المسموح بها في الدولة، وتقوم بتوزيع أو بيع "تصاريح تلوث" للشركات. العبقرية هنا تكمن في خلق سوق لهذه التصاريح؛ فالشركة التي تستثمر في تكنولوجيا حديثة وتخفض انبعاثاتها ستجد نفسها تمتلك فائضا من التصاريح يمكنها بيعه لشركة أخرى لم تنجح في خفض انبعاثاتها. هذا يخلق حافزا مزدوجا: التوفير في التكاليف، والربح من بيع التصاريح. فجأة، يصبح المدير المالي للشركة هو أكبر داعم لمشاريع كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة لأنها تدر ربحا مباشرا.

يمتد تأثير تسعير الكربون ليشمل الابتكار الهندسي؛ فعندما يرتفع سعر الكربون، تصبح تقنيات كانت تعتبر مكلفة وغير مجدية سابقا، مثل "احتجاز الكربون وتخزينه" أو استخدام الهيدروجين النظيف، خيارات اقتصادية منطقية.

لم يعد المهندس مضطرا لإقناع مجلس الإدارة بضرورة حماية البيئة، بل أصبحت الأرقام هي التي تتحدث. وعلاوة على ذلك، بدأ العالم يتجه نحو تطبيق "آلية تعديل حدود الكربون" (CBAM)، كما يفعل الاتحاد الأوروبي، وهي باختصار فرض ضريبة كربون على البضائع المستوردة من دول لا تطبق معايير بيئية صارمة. هذا الإجراء يهدف لحماية الصناعة المحلية النظيفة من المنافسة غير العادلة، ويمنع ما يعرف بـ"تسرب الكربون"، أي انتقال المصانع للدول ذات القوانين المتساهلة.

في النهاية، تسعير الكربون هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الاقتصاد الرأسمالي لتوجيه بوصلة الاستثمار. إنه يحول التحدي البيئي من مشكلة أخلاقية هامشية إلى بند رئيسي في دراسات الجدوى والميزانيات العمومية. وبهذا، يتم تسخير قوة السوق والبحث عن الربح لخدمة الكوكب، مما يضمن أن النمو الاقتصادي المستقبلي سيكون نموا نظيفا ومستداما، مدفوعا بالابتكار الهندسي الذي أصبح الآن مدعوما بجدوى اقتصادية قوية.

HUSSAINBASSI@

أخبار ذات صلة

0 تعليق