شهدت السياسة النقدية في مصر تحولات كبيرة منذ مارس 2022، مع اتجاه البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة موجة التضخم المتصاعدة والحد من الضغوط على الجنيه المصري قبل أن يبدأ مرحلة جديدة من خفض الفائدة خلال 2025 مع تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار.

وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي رفع البنك المركزي أسعار الفائدة الأساسية بإجمالي 19 نقطة مئوية خلال الفترة من مارس 2022 وحتى الربع الأول من 2024 موزعة بواقع 8 نقاط مئوية خلال 2022 و3 نقاط خلال 2023 و8 نقاط خلال الربع الأول من 2024 وذلك عبر عدة قرارات متتالية وليس قرارًا واحد.
2022.. بداية موجة رفع الفائدة
بدأ البنك المركزي دورة التشديد النقدي في مارس 2022، في ظل ارتفاع معدلات التضخم عالميا وتأثر الأسواق بزيادة أسعار الطاقة والسلع الأساسية واضطرابات سلاسل الإمداد وخلال العام رفع أسعار الفائدة بإجمالي 8 نقاط مئوية على مدار عدة قرارات في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية ودعم استقرار سوق الصرف.
ورغم هذه التحركات استمرت الضغوط على الاقتصاد المصري إذ تأثرت الأسعار بارتفاع تكلفة الواردات وتراجع قيمة الجنيه وهو ما أظهر أن تأثير الفائدة يحتاج إلى وقت حتى ينتقل إلى الأسواق كما أن ارتفاع تكلفة الاستيراد لا يمكن معالجته من خلال السياسة النقدية وحدها.
2023.. استمرار التشديد النقدي رغم إرتفاع التضخم
واصل البنك المركزي رفع الفائدة خلال 2023 بإجمالي 3 نقاط مئوية من خلال قرارات شملت زيادة قدرها 200 نقطة أساس في مارس ثم 100 نقطة أساس في أغسطس وبذلك وصل إجمالي الزيادات منذ مارس 2022 إلى 11 نقطة مئوية بنهاية أغسطس 2023.
وجاءت الزيادات في وقت سجل فيه التضخم السنوي في المدن 35.7% خلال يونيو 2023 وفق البيانات المشار إليها في تقارير صندوق النقد الدولي ما عكس حجم الضغوط السعرية التي واجهها الاقتصاد المصري آنذاك.
وأثرت السياسة النقدية المتشددة على تكلفة التمويل والاقتراض كما ساهمت في تعزيز جاذبية الادخار بالجنيه المصري. وفي المقابل
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمار المحلي الإجمالي شهد انكماشا لعدة فصول متتالية مع وجود عوامل متعددة وراء ذلك من بينها تراجع الاستثمارات العامة وتأثير ارتفاع أسعار الفائدة على تمويل القطاع الخاص.
2024.. زيادة 8 نقاط مئوية خلال الربع الأول
شهد عام 2024 واحدة من أكبر موجات رفع الفائدة بعدما قرر البنك المركزي زيادة الأسعار بواقع 200 نقطة أساس في فبراير ثم 600 نقطة أساس في مارس ليصل إجمالي الزيادة خلال الربع الأول إلى 8 نقاط مئوية ويرتفع إجمالي الزيادات منذ مارس 2022 إلى 19 نقطة مئوية.

وجاء قرار مارس بالتزامن مع الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن في إطار تحركات اقتصادية أوسع استهدفت معالجة اختلالات سوق الصرف وتعزيز توافر النقد الأجنبي ووصل سعر الإيداع لليلة واحدة إلى 27.25% عقب قرار مارس، بينما بلغ سعر الإقراض 28.25%.
وعلى مستوى التضخم تراجعت وتيرة ارتفاع الأسعار لاحقا إذ انخفض التضخم السنوي في المدن من 33.3% في مارس 2024 إلى 24.1% في ديسمبر من العام نفسه وفق البيانات الرسمية لكن هذا التراجع لا يمكن نسبته إلى رفع الفائدة وحده إذ تداخلت معه تطورات سعر الصرف وتوافر النقد الأجنبي وتغيرات المعروض وتكاليف الإنتاج.
2025 و2026.. الانتقال من رفع الفائدة إلى خفضها
بعد تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة بدأ البنك المركزي دورة التيسير النقدي في أبريل 2025، مع تحسن مسار التضخم وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 2026 تم تخفيض أسعار الفائدة الأساسية بإجمالي 725 نقطة أساس خلال 2025 ثم 100 نقطة أساس في فبراير 2026 ليصل إجمالي الخفض إلى 825 نقطة أساس منذ بدء دورة التيسير.
وسجل التضخم السنوي 14.1% في نهاية 2025 مقابل 28.3% في نهاية 2024، وفق التقرير نفسه وهو ما أتاح مجالا لخفض الفائدة تدريجيا مع استمرار البنك المركزي في متابعة المخاطر المحيطة بمسار الأسعار.
وفي أحدث قرار منشور أمكن التحقق منه على الموقع الرسمي للبنك المركزي بتاريخ 24 سبتمبر 2026 أبقت لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% للعملية الرئيسية.
ما تأثير هذه القرارات على الاقتصاد المصري؟
تكشف تجربة السنوات الماضية عن تأثيرات متباينة لقرارات رفع الفائدة فمن ناحية ساهمت الفائدة المرتفعة في زيادة جاذبية الادخار بالجنيه المصري والحد من بعض الضغوط المرتبطة بالطلب كما استهدفت تثبيت توقعات التضخم ومن ناحية أخرى رفعت تكلفة الاقتراض على الشركات والمستثمرين ما قد يؤثر على التوسعات الإنتاجية ويزيد أعباء التمويل.
أما بالنسبة للمواطنين فقد ساعدت الشهادات والأوعية الادخارية ذات العائد المرتفع على توفير خيارات ادخارية أكثر جاذبية في حين انعكست تكلفة التمويل المرتفعة على بعض قرارات الشراء بالتقسيط والإنفاق الاستهلاكي.
وتؤكد التجربة أن رفع أسعار الفائدة أداة مهمة لمواجهة التضخم لكنها ليست كافية وحدها لمعالجة جميع أسباب ارتفاع الأسعار خصوصا عندما ترتبط الضغوط بتكلفة الاستيراد أو سعر الصرف أو نقص المعروض ولذلك، فإن استمرار تحسن الاقتصاد المصري يتطلب تنسيقا بين السياسة النقدية والإجراءات المالية إلى جانب دعم الإنتاج المحلي وتحفيز الاستثمار وزيادة المعروض من السلع والخدمات.






