أكدت الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية، أن ما شهدته انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لم يكن مجرد خسارة عادية لحزب الرئيس، وإنما مثّل رفضًا انتخابيًا واسعًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا ولسياساته، ورسالة سياسية تجاوزت فكرة العقاب التقليدي للحزب الحاكم.
وأوضحت أن نتائج الانتخابات لم تقتصر على تغيير الحزب المسيطر على الكونجرس، بل أعادت رسم موازين القوة الداخلية، وأدخلت ترامب رسميًا مرحلة "البطة العرجاء"، بما يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على السياسة الخارجية الأمريكية.
الانتخابات استفتاء على ترامب وسياساته
وقالت نهى بكر إن الرسالة السياسية الأبرز للانتخابات تمثلت في كونها استفتاءً على أداء ترامب أكثر من كونها تصويتًا تقليديًا على الحزب الجمهوري، مشيرة إلى أن ترامب نفسه طالب الناخبين بالتعامل معه كما لو كان اسمه مدرجًا على ورقة الاقتراع، وهو ما انعكس في التصويت ضد مرشحيه.
وأضافت أن حجم الرفض كان لافتًا، حيث حقق الديمقراطيون فارقًا في الأصوات على المستوى الوطني في انتخابات مجلس النواب بلغ نحو 13 نقطة مئوية، وهو الأكبر لأي حزب في انتخابات الكونجرس منذ عام 1976 على الأقل.
وأشارت إلى أن الخسائر الجمهورية لم تقتصر على المناطق الانتخابية المتأرجحة، بل امتدت إلى ولايات كانت تُعد معاقل تقليدية للحزب الجمهوري، من بينها تكساس وكانساس وكارولينا الجنوبية، بما يعكس اتساع نطاق التراجع في التأييد الشعبي.
وأرجعت أستاذ العلوم السياسية هذه النتائج إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب مع إيران التي أقر ترامب بتأثيرها على نتائج الانتخابات، إلى جانب شعور الناخبين بأن الإدارة الأمريكية تنشغل بقضايا لا ترتبط بصورة مباشرة باحتياجاتهم اليومية.
ولفتت إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت أن 70% من الناخبين يرغبون في أن يمارس الكونجرس الجديد دورًا أكبر في توفير الضوابط والتوازنات على سلطات الرئيس.
ترامب أمام كونجرس معارض.. بطة عرجاء ولكن
وفيما يتعلق بموازين القوة الداخلية، أوضحت نهى بكر أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ تعني فقدان ترامب حائطه التشريعي، ودخوله مرحلة "البطة العرجاء"، وهو ما يغير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونجرس.
وأضافت أن ذلك يظهر في ثلاثة مسارات رئيسية، أولها تحول الكونجرس إلى أداة للرقابة والمحاسبة، حيث تعهد الديمقراطيون باستخدام أغلبيتهم لفتح تحقيقات قد تطال مسؤولين كبارًا في الإدارة، ومن بينهم وزير الدفاع، على خلفية إدارة الحرب والإنفاق، فضلًا عن إمكانية استخدام صلاحياتهم لتقييد التمويل المخصص لأجندة ترامب الداخلية والخارجية.
وأشارت إلى أن المسار الثاني يتمثل في تراجع نفوذ ترامب داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ عكست النتائج اعتراضًا على النهج الترامبي، وفتحت الباب أمام اختبار غير مسبوق لمدى استمرار سيطرته على الحزب، خاصة بعد خسارة مرشحين حظوا بدعمه المباشر، وهو ما أضعف صورته باعتباره صانعًا للفائزين.
أما المسار الثالث، فيتمثل في احتمالات اعتماد البيت الأبيض بصورة أكبر على الأوامر التنفيذية، لتعويض فقدان الأغلبية التشريعية، إلا أن هذه الأوامر تظل قابلة للطعن أمام القضاء، وقد تواجه صعوبات في الحصول على التمويل اللازم لتنفيذها، الأمر الذي يجعل إدارة ترامب أكثر عرضة للتوتر والاستقطاب.
انعكاسات خارجية.. الضعف الداخلي لا يعني الانكفاء
وعن تأثير نتائج الانتخابات على السياسة الخارجية الأمريكية، أكدت نهى بكر أن تراجع قوة ترامب داخليًا لا يعني بالضرورة انكفاءه على الساحة الدولية، بل قد يدفعه إلى التحرك بصورة أكثر حدة أو تقلبًا، في محاولة لتعويض خسائره السياسية الداخلية.
وأوضحت أن الرئيس الأمريكي لا يزال يحتفظ بصلاحيات واسعة في ملفات السياسة الخارجية والدفاع، بينما تظل قدرة الكونجرس على تقييده في هذه المجالات أقل من قدرته على التأثير في السياسات الداخلية.
واختتمت أستاذ العلوم السياسية بالتأكيد على أن الناخب الأمريكي لم يكتفِ بمعاقبة حزب الرئيس، بل وجّه رسالة رفض شخصية لترامب وسياساته، أضعفت موقعه السياسي داخليًا وأدخلته مرحلة جديدة من التحديات، قد تنعكس على توجهاته الخارجية، خاصة في ظل تراجع قدرة حلفاء واشنطن على التنبؤ بطبيعة قراراته وتحركاته.
- استطلاع: تسعة أمور تشغل بال الناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي
- الانتخابات النصفية الأميركية اليوم.. وترقُّب لمن تؤول الأغلبية
- من أمريكا إلى البرازيل وكينيا.. ماذا حققت روايات التزوير المبكر لأصحابها؟
- أستاذ علوم سياسة خلال مشاركتها بمنتدى مصر 2026: نناقش الخروج من العوز لدائرة الإنتاج
- أستاذ علوم سياسية: الأحزاب مطالبة بتطوير برامجها وتجديد دمائها






